تحتل البنوك المملوكة للدولة موقعًا مؤثرًا في البنية المالية لكثير من الدول، إذ تتقاطع أهدافها التجارية مع أهداف السياسة العامة، ويترتب على إدارتها آثار تتجاوز ميزانياتها الخاصة لتصل إلى مالية الدولة ذاتها، ومن هنا تنبع الحاجة إلى تقويم سياسات الدولة تجاه هذه البنوك تقويمًا يستند إلى الأدلة، ولا سيما في الاقتصادات التي تحملت فيها الخزانة العامة أعباء متكررة لإنقاذ بنوك حكومية أو إعادة هيكلتها، وتأتي هذه الدراسة في هذا السياق إذ تقدم تقييمًا بأثر رجعي لسياسة الدولة الأوكرانية بشأن البنوك المملوكة للدولة، وتفحص أثر نشاط هذه البنوك في استدامة المالية العامة الأوكرانية، مبينة الكلفة الحقيقية التي يتحملها دافعو الضرائب حين تتحول البنوك الحكومية إلى عبء مزمن على الموازنة بدل أن تكون رافدًا لها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تحقيق هدف رئيس يتمثل في تقديم تقييم بأثر رجعي لسياسة الدولة في أوكرانيا فيما يتصل بالبنوك المملوكة للدولة، وبيان أثر هذه البنوك في استدامة المالية العامة، وذلك من خلال تتبع العلاقة المالية المتبادلة بين الخزانة العامة وهذه البنوك عبر الزمن، واعتمدت الدراسة منهجية تجريبية تقوم على دراسة التدفقات النقدية للأموال العامة المتجهة إلى البنوك المملوكة للدولة، والتدفقات النقدية العكسية العائدة منها إلى المالية العامة، فشملت التدفقات المتجهة إلى البنوك إنفاق الأموال العامة على إنشاء رأس المال المصرح به عند تأسيس البنوك المملوكة للدولة، وشراء الأسهم في البنوك التجارية العاملة، والرسملة الإضافية للبنوك الحكومية القائمة، بينما شملت التدفقات العكسية الأرباح الموزعة المدفوعة بناء على أداء البنوك المملوكة للدولة، فضلًا عن الإيرادات المتحققة للأموال العامة من بيع أسهم هذه البنوك في عمليات الخصخصة، وبمقارنة هذين الاتجاهين من التدفقات أمكن الحكم على صافي الأثر المالي لملكية الدولة المصرفية
ثانيًا: أبرز النتائج
أبرزت الدراسة الكلف الباهظة المرتبطة بإعادة رسملة البنوك المملوكة للدولة، وأظهرت أن هذه الكلف تخل باستقرار المالية العامة، وتنشئ تبعية إضافية للديون في أوكرانيا، وتفرض عبئًا إضافيًا على المالية العامة، كما تؤدي إلى تغيرات هيكلية تقلص التمويل المخصص للإنفاق الاجتماعي، فحين تستنزف عمليات الإنقاذ المصرفي موارد الموازنة تضطر الدولة إلى الاقتراض بكلفة أعلى، ويتجه جانب متزايد من مواردها إلى خدمة الدين وإعادة تمويل البنوك المتعثرة، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم ما يتبقى للخدمات العامة الأساسية، وبهذا المعنى فإن كلفة رسملة البنوك الحكومية لا تقاس فقط بمبالغ الدعم المباشر، بل تمتد إلى آثار تراكمية في بنية المالية العامة واستدامتها على المدى الطويل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة لصناع السياسة المالية، فهي تبين أن استمرار نمط الدعم المتكرر للبنوك المملوكة للدولة يجعل دافعي الضرائب الأوكرانيين يمولون في المحصلة الأنشطة غير الكفؤة لهذه البنوك، في الوقت الذي يتراجع فيه الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وحماية البيئة وغيرها من المجالات الأساسية، ومن ثم فإن إصلاح حوكمة البنوك الحكومية ورفع كفاءة إدارتها وربط أي دعم عام بمعايير أداء واضحة يمثل شرطًا لحماية استدامة المالية العامة، كما تفتح الدراسة الباب أمام إعادة النظر في جدوى احتفاظ الدولة بملكيات مصرفية واسعة، وفي بدائل تنظيمية ورقابية تضمن ألا تتحول المؤسسات المالية العامة إلى مصدر مزمن لاستنزاف الموارد العامة
وتزداد خطورة هذه المعادلة حين تتكرر عمليات الرسملة عبر السنوات دون معالجة جذرية لأسباب تعثر البنوك الحكومية، إذ يتحول الدعم الاستثنائي المفترض إلى نمط دائم من التحويلات المالية، وتتراكم على عاتق الموازنة التزامات لا تقابلها عوائد حقيقية، بينما تتقلص قدرة الدولة على تمويل أولوياتها التنموية والاجتماعية، وهو ما يجعل إصلاح هذا الملف شرطًا مسبقًا لأي حديث جاد عن استدامة المالية العامة وحماية حقوق دافعي الضرائب في توجيه أموالهم نحو خدمات تعود عليهم بالنفع المباشر
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا على أن سياسة الدولة تجاه البنوك المملوكة لها في أوكرانيا أنتجت أثرًا مثقلًا لاستدامة المالية العامة، إذ تراكمت كلف الرسملة والدعم بوصفها عبئًا على الخزانة وسببًا في مزيد من الاعتماد على الدين وتراجع الإنفاق الاجتماعي، وإن الدرس الأهم الذي تطرحه يتجاوز الحالة الأوكرانية إلى كل دولة تمتلك بنوكًا عامة، ومفاده أن كفاءة إدارة هذه البنوك وشفافية العلاقة المالية بينها وبين الموازنة شرطان أساسيان حتى لا يدفع المجتمع كلفة مضاعفة تتمثل في تمويل أنشطة غير كفؤة من جهة، وحرمان القطاعات الاجتماعية من التمويل اللازم من جهة أخرى








