تتناول هذه الدراسة المنشورة في مجلة القانون الألمانية مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة في القانون الجنائي السويدي وسياسة الجريمة فيه، وتنطلق من ملاحظة محورية مفادها أن التناسب ليس حقيقة جاهزة بل يصنع ويتشكل، وأن الطريقة التي يصنع بها تصوغ نوعًا معينًا من القانون الجنائي، فحين تستند التدابير العقابية إلى نداءات التناسب تجد مشروعيتها، وقد يتحول المبدأ ذاته إلى أداة لإضفاء الشرعية على سياسات عقابية متصاعدة الشدة، وتسعى الدراسة إلى كشف هذه الآلية الخطابية وحدودها، وما تخفيه من أسباب حقيقية وراء التغييرات التشريعية المتجهة نحو مزيد من التشدد في العقاب، وتأتي أهمية هذا الموضوع من مركزية مبدأ التناسب في تبرير العقوبات في الدول المعاصرة، فهو المبدأ الذي يعرض عادة بوصفه ضمانة للعدالة وحدًا من غلو العقاب، بينما ترى الدراسة أنه قد يعمل في الاتجاه المعاكس تمامًا وفق كيفية بنائه وتوظيفه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل كيفية تبرير التدابير العقابية في القانون الجنائي السويدي وسياسة الجريمة عبر الاستناد إلى مبدأ التناسب، وبيان كيف أعيدت صياغة هذا المبدأ مرة بعد أخرى لخدمة سياسة جنائية متزايدة الصرامة، واعتمدت الدراسة مقاربة خطابية تقوم على الهندسة العكسية لادعاءات التناسب الواردة في المقترحات التشريعية السويدية، أي تفكيك هذه الادعاءات وردها إلى عناصرها لبيان ما تحمله من معان وحدود، كما سعت الدراسة إلى الدعوة إلى تفكيك مبدأ التناسب ذاته بوصفه إطارًا مهيمنًا، وإلى جعل المعاني الكامنة في الفهم المعاصر للجريمة والعقوبة والقانون الجنائي العادل ظاهرة للعيان وقابلة للنقاش العام، وقامت المقاربة الخطابية المعتمدة على تفكيك عبارات التناسب في المقترحات التشريعية وردها إلى مسلماتها الضمنية، وبيان كيف ينتقى من الوقائع والأهداف ما يدعم التشدد، وكيف يقدم التصعيد العقابي للقارئ بوصفه مقتضى بديهيًا للتوازن بين الجريمة وعقابها، ورصدت الدراسة تحولات هذا الخطاب عبر التعديلات التشريعية المتعاقبة في السويد واتجاهه المتصاعد نحو الصرامة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن مبدأ التناسب في التجربة السويدية قد صنع وأعيدت صناعته على نحو يضفي الشرعية على سياسة جنائية متصاعدة العقابية، إذ توظف نداءات التناسب لتقديم التشدد العقابي بوصفه مطلبًا للعدالة ذاتها، فيما تحجب هذه التوظيفات الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التغييرات التشريعية وتجعل مناقشتها أصعب، وبينت الدراسة أن الطريقة التي يبنى بها التناسب بين الجريمة والعقوبة تحدد ملامح القانون الجنائي الناتج عنه، وأن الفهم المعاصر للجريمة والعقوبة والقانون الجنائي العادل يحمل معاني وحدودًا ضمنية لا تظهر إلا بتفكيك الخطاب الذي يبررها، وهو ما أنجزته الدراسة بتطبيق منهج الهندسة العكسية الخطابية على المقترحات التشريعية، ويخلص هذا التحليل إلى أن خطاب التناسب يعمل بوصفه تقنية إقناع تشريعية، إذ يستعير سلطة مبدأ عدلي راسخ ليمرر خيارات سياسية قابلة للجدل بوصفها ضرورات قانونية، وأنه بذلك يحول دون المناقشة الديمقراطية الصريحة لمبررات التشدد العقابي الحقيقية، ويجعل التراجع عن السياسات العقابية المتصاعدة أصعب لأنه يقدمها نتائج منطقية لا قرارات سياسية قابلة للمراجعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات نقدية مهمة لدراسات السياسة الجنائية، إذ تنبه إلى أن المفاهيم التي تبدو محايدة وعدلية كمبدأ التناسب قد تتحول إلى أدوات خطابية لتبرير التشدد، وأن مساءلتها شرط لفهم التحولات العقابية المعاصرة فهمًا عميقًا، كما تقدم مقاربة الهندسة العكسية الخطابية أداة منهجية يمكن توظيفها في تحليل التشريعات الجنائية في سياقات وطنية أخرى، وتدعم دعوة الدراسة إلى تفكيك المبدأ نقاشًا أوسع حول أسس العدالة الجنائية وحدود العقاب في الدول المعاصرة، بما يفتح الباب أمام سياسات جنائية أكثر شفافية في أسبابها وغاياتها المعلنة، ويمكن البناء على هذه النتائج في تطوير أدوات نقد التشريع الجنائي في بلدان أخرى تعرف موجات مشابهة من التصعيد العقابي المبرر بخطابات العدالة والتناسب، كما تفيد المشرعين والباحثين في التمييز بين التوظيف التحليلي الصادق لمبدأ التناسب وتوظيفه الخطابي المبرر، وتدعم اتجاهًا بحثيًا ينظر إلى مفاهيم القانون الجنائي بوصفها ممارسات خطابية تصنع ولا تكتشف
وخلاصة القول إن التناسب بين الجريمة والعقوبة ليس مبدأ محايدًا بل خطاب يصنع ويعاد صنعه، وقد وظف في التجربة السويدية لتبرير سياسة عقابية متشددة، ومن ثم فإن تفكيكه وكشف معانيه الضمنية خطوة لازمة نحو قانون جنائي أكثر عدلًا وشفافية، وبذلك تقدم الدراسة درسًا منهجيًا عامًا مفاده أن أعدل المبادئ ظاهرًا قد يستحق التفكيك ذاته الذي تطبقه الدراسة على الخطاب التشريعي السويدي








