رحب كثيرون منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بتنامي حجم التجارة العالمية انطلاقًا من فكرة أن التجارة تساعد الدول على الاقتراب من تحقيق إمكاناتها الاقتصادية الكاملة، غير أن ملاحظة مثيرة للقلق برزت في المقابل، فبينما شهدت آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا ارتفاعًا ملحوظًا في دخل الفرد واقترابًا من إمكاناتها الاقتصادية خلال هذه الفترة، لم تسجل أفريقيا جنوب الصحراء نجاحًا مماثلًا، وتثير هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا عن العوامل التي أعاقت ترجمة الانفتاح التجاري إلى نمو شامل في المنطقة، وعن موقع التصنيع في تفسير هذا التعثر، وهو السؤال الذي تتصدى له هذه الدراسة بالتحليل القياسي والمقارنات المضادة للواقع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفسير محدودية أثر التجارة في دفع أفريقيا جنوب الصحراء نحو إمكاناتها الاقتصادية، مع تعريف الإمكانات الاقتصادية بأنها أقصى دخل ممكن تحقيقه من الموارد المتاحة والتقنية القائمة، واعتمدت الدراسة بيانات لوحة شملت اثنتين وعشرين دولة من دول المنطقة رصدت خلال الفترة من عام 1995 إلى عام 2021، واستخدمت أساليب قياسية لتقدير مدى اقتراب الدول من إمكاناتها وتحديد العوامل المؤثرة فيه، ثم دعمت النتائج بأساليب مضادة للواقع تختبر ما كان يمكن أن يتحقق لو اختلفت بنية القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها حجم القطاع الصناعي التحويلي ودوره في توليد الدخل والنمو
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت النتائج أن قدرة منطقة أفريقيا جنوب الصحراء على الاقتراب من إمكاناتها الاقتصادية الكاملة أعاقها بشدة صغر حجم قطاعها الصناعي التحويلي وتقلصه المستمر، وهي نتيجة تكررت وأيدتها الأساليب المضادة للواقع المستخدمة في الدراسة، وتبين أن تراجع التصنيع في المنطقة لم يكن ظاهرة عابرة بل عاملًا بنيويًا حد من ثمار التجارة والنمو معًا، كما أظهرت الدراسة أن توسيع القطاع الصناعي التحويلي كان يمكن أن يرفع نحو خمسين في المئة من دول العينة من فئة الدخل المنخفض إلى فئة الدخل المتوسط، ومن هذه الدول رواندا وتوغو وغينيا والنيجر وسيراليون وغامبيا وبنين وأوغندا وموزمبيق، وهو ما يبرز الكلفة التنموية الباهظة لمسار إزالة التصنيع المبكر، كما تنبه الدراسة إلى أن ضعف أداء التجارة في المنطقة لا يعني أن التجارة ذاتها غير مهمة، بل يعني أن شروط تحولها إلى نمو لم تتوفر، فالاقتصادات التي تصدر مواد خام وتستورد مصنوعات تظل مكشوفة على تقلبات الأسعار العالمية وعاجزة عن بناء قدرات إنتاجية متراكمة، بينما يتيح القطاع الصناعي التحويلي روابط أمامية وخلفية مع بقية القطاعات ويرفع إنتاجية العمل وينقل المهارات والتقنيات، ولهذا كان انكماش هذا القطاع في دول المنطقة عاملًا مضاعفًا للضعف، إذ حرم التجارة من القناة التي كان يمكن أن تترجم عبرها مكاسب الانفتاح إلى رفع لمستويات المعيشة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ترى الدراسة أن على دول أفريقيا جنوب الصحراء، على صعيد السياسات، أن تعيد النظر في نموذج إزالة التصنيع واسع الانتشار في المنطقة وأن تعمل على إحياء قطاعها الصناعي التحويلي وتوسيعه، وتنسجم هذه التوصية مع النقاش الأوسع حول إزالة التصنيع المبكر في المنطقة وآثاره الاقتصادية، إذ يصعب على اقتصادات تعتمد على السلع الأولية والخدمات منخفضة الإنتاجية أن تقترب من إمكاناتها أو أن تحقق قفزات مستدامة في دخل الفرد، وتؤكد الدراسة أن التجارة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بقاعدة إنتاجية صناعية قادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل واسعة وروابط اقتصادية متشعبة، وتكتسب هذه النتيجة دلالة خاصة في ضوء النقاش الدائر حول مستقبل التنمية في القارة الأفريقية، إذ تعيد الاعتبار لأجندة التصنيع التي تراجعت لصالح قطاعات خدمية منخفضة الإنتاجية في كثير من الدول، وتبين أن الاقتراب من الإمكانات الاقتصادية ليس مسألة موارد طبيعية فقط، فقد منحت الدراسة تعريف الإمكانات معنى إنتاجيًا يرتبط بالموارد والتقنية المتاحة، وأن الفجوة بين الواقع وهذه الإمكانات واسعة وقابلة للردم بسياسات صناعية مدروسة تعيد بناء سلاسل القيمة المحلية وتربطها بالأسواق الإقليمية والعالمية التي فتحتها التجارة
وخلاصة القول إن التجارة العالمية لم تحرك أفريقيا جنوب الصحراء كثيرًا نحو إمكاناتها الاقتصادية لأن البنية الإنتاجية للمنطقة، وفي قلبها قطاع صناعي تحويلي صغير ومتقلص، لم تكن مهيأة لالتقاط ثمار الانفتاح التجاري وتحويلها إلى نمو واسع، وقد أثبتت الدراسة ذلك ببيانات امتدت لأكثر من ربع قرن وبأساليب مضادة للواقع بينت ما كان ممكنًا لو توسع التصنيع، ومن هنا تبدو إعادة بناء القاعدة الصناعية التحويلية خيارًا إستراتيجيًا لا غنى عنه لأي مسار تنموي جاد في المنطقة خلال العقود المقبلة








