أدى انتشار النماذج اللغوية الكبيرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إتاحة فرص واسعة للجريمة، ومنها الجرائم المالية الميسرة بالتقنية، إذ لم تعد الأدوات الذكية حكرًا على المؤسسات المشروعة، بل صارت متاحة لمن يسعون إلى توظيفها في الاحتيال والتلاعب واختراق الأنظمة المالية، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة المنشورة في مجلة علم الجريمة لتجري مراجعة منهجية كمية للأدبيات العلمية حول التقاطع المتطور بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والجريمة المالية، كاشفة عن تركزات الكلمات المفتاحية والموضوعات البحثية الكامنة والعلاقات الموضوعاتية داخل هذا المجال الناشئ، وقد وفرت هذه التقنيات فرصًا واسعة للجريمة المالية الميسرة بالتقنية، إذ بات بإمكان المحتالين أتمتة عمليات الاحتيال وتوسيع نطاقها بسرعة غير مسبوقة، ما جعل فهم هذا التقاطع أولوية بحثية وتنظيمية ملحة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية فهم الأدبيات العلمية الراهنة لدور الذكاء الاصطناعي التوليدي في الجرائم المالية، وتحديد أبرز الكلمات المفتاحية والموضوعات الكامنة والعلاقات بينها، وقد أُجريت المراجعة وفق إرشادات الإبلاغ المفضل لعناصر المراجعات المنهجية والتحليلات البعدية المعروفة اختصارًا ببريزما لعام ألفين وعشرين، واعتمدت ثلاث طرائق تحليلية كمية هي التحليل الببليومتري ونمذجة الموضوعات وتحليل الرسم المعرفي، بما أتاح الكشف عن الاتجاهات والتركزات والروابط بين أبرز الكلمات المفتاحية والموضوعات في الأدبيات القائمة، وانتهت عملية الفرز إلى إدراج أربع وتسعين دراسة في المراجعة المنهجية الكمية، وقد صُممت هذه الطرائق الثلاث لتكمل إحداها الأخرى، فالتحليل الببليومتري يرصد تركزات الكلمات المفتاحية، ونمذجة الموضوعات تستخرج الموضوعات الكامنة في النصوص، وتحليل الرسم المعرفي يرسم العلاقات الموضوعاتية بينها، كما أتاحت إرشادات بريزما لعام ألفين وعشرين ضبط عملية الفرز والاختيار بشفافية، حتى استقر الرصيد النهائي على أربع وتسعين دراسة خضعت للتحليل الكمي بأدواته الثلاث
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التحليل الببليومتري حدد خمس عناقيد من الكلمات المفتاحية، في حين كشفت نمذجة الموضوعات والرسم المعرفي عن ستة موضوعات بحثية كامنة بأنماط دقيقة، وأبرزت النتائج تركزًا متناميًا على الجرائم المالية المؤتمتة التي تتميز عن الهندسة الاجتماعية المتمحورة حول الإنسان، كما كشفت عن الطبيعة مزدوجة الاستخدام للذكاء الاصطناعي التوليدي في تيسير الجرائم المالية والوقاية منها معًا، فقد أُسيء استخدامه على نطاق واسع في جرائم مالية سيبرانية مثل الاحتيال الخوارزمي وهجمات التزييف العميق واستغلال العقود الذكية، وفي المقابل عزز قدرات الوقاية من الجريمة مثل قدرات الكشف وفحص مواطن الضعف، ويعني هذا التحول أن الجريمة المالية لم تعد تعتمد فقط على خداع الأفراد عبر الهندسة الاجتماعية، بل صارت تُنفذ بأنظمة مؤتمتة تهاجم العقود الذكية والأسواق اللامركزية بسرعة ونطاق يصعب على الضبط التقليدي مجاراتهما، ومن اللافت أن عناقيد الكلمات المفتاحية الخمس تشير إلى تمركز الاهتمام البحثي حول تقنيات توليدية بعينها وتطبيقات مالية محددة، بما يعكس نضجًا تدريجيًا لمجال كان حتى وقت قريب متناثرًا بين تخصصات متباعدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالات الدراسة في أنها تبين أن البحث العلمي يركز بصورة متزايدة على الأبعاد التقنية والخصومية للطبيعة مزدوجة الاستخدام للذكاء الاصطناعي التوليدي، مرسمة تمييزًا بنيويًا بين الهندسة الاجتماعية المتمحورة حول الإنسان والجرائم المالية المؤتمتة، وتسلط النتائج الضوء على أهمية إدراك المشهد المتطور للجرائم المالية الممكنة بهذه التقنية، وعلى دلالة تبني أطر حوكمة استشرافية للامتثال التنظيمي في أنظمة التمويل اللامركزي، فمع تسارع تطور قدرات النماذج التوليدية تصبح الحاجة ماسة إلى أطر تنظيمية تواكب المخاطر قبل وقوعها لا بعدها، وتبرز هنا مفارقة الحوكمة، فالأدوات ذاتها التي ترفع قدرات الكشف وفحص مواطن الضعف هي التي تفتح أبواب الاستغلال، ما يستلزم أطر امتثال تنظيمي استشرافية مصممة لأنظمة التمويل اللامركزي سريعة التحول
وخلاصة القول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعيد تشكيل بيئة الجريمة المالية في الاتجاهين معًا، فهو ييسر فرصًا إجرامية جديدة بقدر ما يفتح آفاقًا للوقاية والكشف، وتبقى المهمة المركزية للباحثين وصانعي السياسات هي بناء حوكمة استباقية توازن بين تسخير هذه القدرات للحماية وبين سد منافذ إساءة استخدامها في الاحتيال والتزييف والاستغلال، ولهذا تدعو الدراسة ضمنًا إلى بحوث ترصد تطور هذا المجال باستمرار، فالموضوعات الكامنة والعناقيد التي كشفتها اليوم ستتغير مع تغير قدرات النماذج وأساليب المهاجمين والمدافعين على حد سواء








