تتناول هذه الدراسة حكمًا صادرًا عن محكمة العمل في جنوب أفريقيا في قضية شركة ماكستيل لمراكز الخدمات ضد الاتحاد الوطني لعمال المعادن، وهو الحكم المسجل برقم 2020 8 في تقارير قضايا العمل، وقد تعلق الحكم بخفض فرضه صاحب العمل على رواتب العاملين بسبب جائحة كورونا وما رافقها من إغلاق عام، وجاءت القضية إلى محكمة العمل في صورة طلب مستعجل قدمته الشركة لمنع إضراب غير محمي نظمه الاتحاد، فانتهزت المحكمة المناسبة لبحث سؤال قانوني دقيق هو ما إذا كان الخفض المنفرد للرواتب الذي فرضه صاحب العمل عن أشهر مايو ويونيو ويوليو من عام 2020 غير مشروع وفق أحكام قانون علاقات العمل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل الأساس القانوني الذي بنت عليه محكمة العمل حكمها في شأن الخفض المنفرد للرواتب أثناء الجائحة، وإلى بيان موقع مبدأ «لا أجر بلا عمل» في هذا التحليل وحدود تطبيقه، واعتمدت الدراسة منهج تحليل الأحكام القضائية، ففحصت بالتفصيل ما أجرته المحكمة من تحليل لعمليات الشركة وظروفها المالية والتشغيلية، وما انتهت إليه من تطبيق للفقرتين الرابعة والخامسة من المادة الرابعة والستين من قانون علاقات العمل رقم 66 لسنة 1995، مقارِنة بين وضع العاملين الذين عرضوا خدماتهم وكانوا مستعدين للعمل ووضع من تعذر عليهم أداء عملهم بسبب الإغلاق ذاته
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت المحكمة، كما تعرض الدراسة، إلى أن العاملين الذين عرضوا خدماتهم على صاحب العمل يستحقون أجورهم كاملة، وأن خفض الرواتب بنسبة عشرين في المئة كان غير مشروع لأنه شكل تغييرًا منفردًا في شروط التوظيف لا يجوز لصاحب العمل إجراؤه بإرادته وحده، وفي المقابل أكد الحكم التطبيق الصحيح لمبدأ «لا أجر بلا عمل» في الحالات التي يستحيل فيها قانونًا على العاملين أداء واجباتهم، إذ يحق لصاحب العمل حينها التمسك بهذا المبدأ استنادًا إلى استحالة التنفيذ من الطرفين معًا، فالعاملون الذين تعذر عليهم العمل أثناء إغلاق الجائحة لا يستحقون رواتبهم عن تلك الفترة، وبذلك رحبت الدراسة بالحكم بوصفه مؤكدًا للنهج القانوني السليم في التمييز بين صور الاستحالة المختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة مرجعًا عمليًا لأصحاب الأعمال والاتحادات العمالية والممارسين القانونيين في جنوب أفريقيا وخارجها عند معالجة النزاعات العمالية في أوقات الأزمات والجوائح، إذ ترسم حدود التكييف القانوني للخفض المنفرد للأجور، وتبين أن صعوبة الظروف الاقتصادية لا تبيح بذاتها المساس المنفرد بشروط التوظيف المستقرة، وأن مبدأ «لا أجر بلا عمل» يظل مقيدًا بشرط الاستحالة الحقيقية لا بمجرد تعثر السيولة، كما تسهم الدراسة في الأدبيات المقارنة لقانون العمل في الطوارئ الصحية، مبرزة كيف توازن المحاكم بين حماية دخل العاملين وقدرة المنشآت على الاستمرار في ظروف استثنائية قاهرة
ويكتسب الحكم أهميته العملية من دقة التمييز الذي أقامه بين فئتين من العاملين، فمن عرض خدماته وظل مستعدًا لأداء عمله لم يجز تحميله كلفة قرار الإغلاق ولا كلفة تعثر المنشأة، لأن أجره مقابل جاهزيته المشروعة لا مقابل إنتاج فعلي حال دونه قرار صاحب العمل أو ظروف لم يصنعها، أما من استحال عليه الأداء استحالة قانونية بسبب الإغلاق ذاته، فقد انعقدت الاستحالة من الطرفين معًا، إذ لم يكن بوسع صاحب العمل أيضًا تشغيل منشأته، فانتفى أساس المطالبة بالأجر وفق مبدأ «لا أجر بلا عمل»، وقد جاء هذا التمييز ثمرة تحليل مفصل أجرته المحكمة لعمليات الشركة وظروفها، وهو ما يمنح الحكم قيمة إرشادية تتجاوز وقائعه إلى أي نزاع مقبل حول الأجور في أزمنة التوقف القسري والجوائح والكوارث
وقد استندت المحكمة في بنائها إلى نصوص قانون علاقات العمل التي تحكم الإضرابات وتغيير شروط التوظيف، إذ جاء طلب الشركة المستعجل لمنع إضراب غير محمي مناسبة لفحص مشروعية الخفض ذاته، فانتهى الفحص إلى أن المنازعة الحقيقية لم تكن حول الإضراب وحده، بل حول حدود سلطة صاحب العمل في الأزمات، وهو ما رحبت به الدراسة بوصفه تأكيدًا للنهج الصحيح في القانون
وخلاصة القول إن حكم ماكستيل يقدم قاعدة متوازنة لإدارة الأجور في الأزمات، فهو يحمي حق العامل المستعد للعمل في أجره الكامل، ويمنع التغيير المنفرد لشروط التوظيف، ويقر في الوقت ذاته مبدأ «لا أجر بلا عمل» حيث تستحيل الخدمة قانونًا على الطرفين، وبذلك يشكل الحكم مرتكزًا مهمًا لأي نقاش مستقبلي حول توزيع أعباء التوقف القسري عن العمل بين أصحاب الأعمال والعاملين في جنوب أفريقيا وفي الأنظمة المقارنة








