أصبحت موارد التعلم الرقمية جزءًا أصيلًا من بيئات التعليم الجامعي المعاصر، إذ تؤدي وظيفة تيسير التعلم ودعم اكتساب المفاهيم والمهارات، غير أن تقويم وظيفتها ما يزال محدودًا لقلة الأدوات المتاحة لهذا الغرض، وتبرز من بين هذه الأدوات أداة إدراك استخدام موارد التعلم الرقمية في الإحصاء التي تتيح تقويم تصورات طلاب الجامعة في مرحلة البكالوريوس حول وظيفية هذه الموارد، ومن هنا عنيت هذه الدراسة بفحص الخصائص السيكومترية لهذه الأداة فحصًا علميًا دقيقًا، انطلاقًا من أن الحكم على جدوى الموارد الرقمية لا يستقيم دون أداة قياس ثابتة وصادقة تمكن من المقارنة والتطوير المنظم، فموارد التعلم الرقمية لا تحقق أثرها بمجرد إتاحتها تقنيًا، بل بقدرة الطلاب على إدراك قيمتها وتوظيفها في تعلمهم، وهو إدراك يمكن قياسه وتحسينه حين تتوافر أدوات قياس سليمة البناء، ومن دون هذا الأساس يظل تطوير الموارد الرقمية اجتهادًا لا يستند إلى دليل مقاس يمكن الاحتكام إليه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توفير أداة ذات جودة علمية عبر تحليل صدق البناء وثبات أداة إدراك استخدام موارد التعلم الرقمية في الإحصاء، وقد طُبقت الأداة على 1148 طالبًا جامعيًا، وأُجري تحليل صدق البناء باستخدام التحليل العاملي الاستكشافي والتحليل العاملي التوكيدي، بينما حُدد الثبات بمعامل ألفا كرونباخ الترتيبي الملائم لطبيعة فقرات الأداة، وبذلك جمعت الدراسة بين مستويي الفحص الاستكشافي والتوكيدي للبنية العاملية، وبين تقدير اتساق الأداة الكلي واتساق كل عامل من عواملها على حدة، بما يقدم صورة متكاملة عن جودة الأداة من زوايا متعددة، وشمل الفحص مقارنة البنية العاملية المستخرجة بالنموذج النظري الذي صيغت الأداة على أساسه، بما يكشف مدى تطابق تصورات الطلاب الفعلية مع التصورات التي افترضها مصممو الأداة عند بنائها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل العاملي الاستكشافي أن جميع الفقرات ممثلة في النموذج العاملي، غير أنه كشف اختلافًا عن النموذج النظري تمثل في بروز بُعد رابع هو التعلم التعاوني، أما التحليل العاملي التوكيدي فقد أظهر النموذج العاملي الناتج ملاءمة جيدة، إذ بلغت قيم مؤشرات الملاءمة مستويات ممتازة قاربت الواحد الصحيح في مؤشر حسن الملاءمة ومؤشر الملاءمة المقارن ومؤشر تاكر لويس بقيمة 0.999 لكل منها، بينما بلغ جذر متوسط مربع خطأ التقريب 0.064، وأظهر الثبات الكلي للأداة وثبات عواملها قيمًا مثلى تجاوز فيها معامل ألفا كرونباخ الترتيبي 0.98، وبذلك ثبت أن الأداة تتمتع بخصائص سيكومترية ملائمة تؤهلها للاستخدام الواثق، وتشير هذه القيم مجتمعة إلى أن فقرات الأداة متسقة داخليًا بدرجة عالية وأن بنيتها العاملية مستقرة، وهو ما يعزز الثقة في النتائج التي ستسفر عنها الدراسات التي تستخدمها في تقويم الموارد الرقمية، ولا سيما أن الأداة مصممة لمقررات الإحصاء التي كثيرًا ما تمثل تحديًا للطلاب وتحتاج مواردها التعليمية إلى تقويم مستمر وتطوير متجدد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتيح هذه النتائج للباحثين وأعضاء هيئة التدريس أداة مقننة يمكن الوثوق بها في تقويم تصورات الطلاب حول وظيفية موارد التعلم الرقمية في مقررات الإحصاء، بما يساعد على تشخيص نقاط القوة والضعف في هذه الموارد وتطويرها على أسس مقاسة، كما يلفت بروز بُعد التعلم التعاوني الانتباه إلى أن الطلاب يدركون في هذه الموارد قيمة تتجاوز التعلم الفردي إلى التفاعل الجماعي وتبادل الخبرات بين الأقران، وهو ما يدعو مصممي الموارد الرقمية إلى تضمين أنشطة تعاونية مقصودة تعزز هذا البعد وتوظفه في رفع فاعلية التعلم، كما يمكن توظيف الأداة في مقارنة موارد رقمية متنافسة أو في قياس أثر تطوير مورد قائم قبل التطوير وبعده، فتغدو قرارات الاستثمار في التعلم الرقمي مبنية على أدلة من تصورات المستخدمين أنفسهم
وخلاصة القول إن جودة أدوات القياس شرط سابق لأي تقويم جاد لموارد التعلم الرقمية، وقد أكدت هذه الدراسة بما قدمته من أدلة عاملية وثبات مرتفع أن أداة إدراك استخدام موارد التعلم الرقمية في الإحصاء صالحة للاستخدام العلمي، وأن بنيتها أغنى مما افترضه نموذجها النظري بفضل بُعد التعلم التعاوني، بما يمنح دراسات تقويم الموارد الرقمية في التعليم الجامعي أساسًا قياسيًا موثوقًا يمكن البناء عليه في تطوير هذه الموارد وتجويدها، ويظل تطوير أدوات القياس وتقنينها عملًا تراكميًا تستفيد منه منظومة التعليم الرقمي كلها، إذ تنتقل الخبرة المنهجية من أداة مقننة إلى أدوات أخرى تقيس جوانب جديدة من خبرة المتعلم الرقمية








