ينتمي الجيل زد إلى فئة السكان الرقميين الأصليين الذين نشأوا في بيئة مشبعة بالتقنيات الرقمية والإنترنت، فهم عملاء محتملون يتعاملون مع المنتجات والخدمات عبر قنوات لم تعرفها الأجيال السابقة، ومع تطور البنية التحتية والتقنية للإنترنت برز تساؤل حول مدى تميز هذا الجيل بفعل الاضطراب الرقمي، وحول أثر هذا الاضطراب في اتجاهات أفراده نحو المنتجات التي نادرًا ما يرونها، وقد حظيت الوسائط الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي والرسائل الفورية بعناية خاصة نظرًا إلى صلتها الوثيقة بالاضطراب الرقمي، إذ تشجع الشبكات الاجتماعية التفاعل بين المستخدمين، ما يجعلها متميزة عن الوسائط الرقمية ذات الطابع الأحادي في نقل المعلومات، فهذا الجيل الذي لم يعرف عالمًا بلا إنترنت يتعامل مع التقنية بوصفها بيئة طبيعية للحياة اليومية، وهو ما يجعل دراسة اتجاهاته مدخلًا لفهم تحولات أوسع في سلوك المستهلكين وأنماط تلقي المعلومات في المجتمعات المعاصرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى فحص ما إذا كان الاضطراب الرقمي يُظهر تفرد الجيل زد ويؤثر في اتجاهات أفراده نحو المنتجات، وقد بُنيت الاستبانة المستخدمة على مراجعة مستفيضة للأدبيات مع التحقق من صدقها وثباتها، وبلغ عدد الاستجابات المستخدمة في اختبار الفرضيات 505 استجابات، واعتمد التحليل على أسلوب إعادة المعاينة المعززة وعلى طريقة المربعات الصغرى الاعتيادية، مع التمييز بين أثر الوسائط الرقمية من جهة وأثر الشبكات الاجتماعية بشقيها مواقع التواصل والرسائل الفورية من جهة أخرى، وبين جيل زد والأجيال السابقة في مدى الاعتماد على كل منهما مصدرًا للمعلومات المؤثرة في الاتجاهات، بما يسمح باختبار الفروق بين الأجيال اختبارًا إحصائيًا مضبوطًا، وبفصل أثر قناة الاتصال ذاتها عن أثر المحتوى المنقول عبرها في تشكيل الاتجاه نحو المنتج، مع الانتباه إلى أن اتجاهات المستهلكين نحو المنتجات التي نادرًا ما يرونها تتشكل غالبًا عبر الصورة الرقمية وحدها دون خبرة مباشرة بها
ثانيًا: أبرز النتائج
جاءت النتائج متوافقة جزئيًا مع الافتراض القائل بأن الجيل زد يعتمد على المعلومات الواردة من الوسائط الرقمية أكثر من الأجيال السابقة، غير أن الشبكات الاجتماعية أظهرت أثرًا أكبر من أثر الوسائط الرقمية، ولم تُظهر فروقًا بين الأجيال في هذا الأثر، كما بينت النتائج أنه رغم اختلاف طبيعة الأجيال وأنماط حياتها، فإن ظروفًا معينة مثل متطلبات العمل قد تدفع الأفراد إلى عدم التوافق مع الصورة النمطية المنسوبة إلى جيلهم، ومن ثم فإن الاضطراب الرقمي يخلق فروقًا بين الأجيال، غير أن هذه الفروق يمكن أن تتلاشى عبر الممارسة والخبرة العملية المتراكمة، فليست الاتجاهات الرقمية سمات جيلية جامدة بل أنماطًا قابلة للتشكل بحسب السياق، وهو ما يعني أن التصنيفات الجيلية الصارمة قد تبالغ في رسم الحدود بين الأجيال، إذ تتقارب الخبرات الرقمية حين تفرض بيئات العمل والتعليم أنماط استخدام مشتركة تتجاوز الفئة العمرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تناقش الدراسة في ضوء نتائجها اضطراب التقنية الرقمية وبروز السكان الرقميين الأصليين في ظل تطور الابتكار الرقمي واتساع آثاره المنظومية الممتدة إلى التعليم والعمل والاستهلاك، وتؤسس التأثيرات والتفاعلات التي حددتها لقاعدة يستفيد منها الممارسون التطبيقيون والباحثون المستقبليون على حد سواء، إذ تساعد المسوقين وصانعي المحتوى على فهم قنوات التأثير الأقوى في كل جيل، فبينما تتمايز الأجيال في الاعتماد على الوسائط الرقمية، تظل الشبكات الاجتماعية قناة جامعة تتقاطع عبرها الأجيال، وهو ما يدعو إلى بناء استراتيجيات تواصل تراعي هذه الخريطة بدقة وتوازن بين القنوات بحسب الجمهور المستهدف، ومن ذلك أن الحملات الموجهة إلى الجيل زد ينبغي أن تستثمر طبيعته الرقمية دون إغفال أن التفاعل الاجتماعي عبر الشبكات يظل البوابة الأوسع للتأثير في جميع الفئات، ومن هنا تبدو الاستراتيجيات الناجحة هي التي توظف الوسائط والشبكات معًا بوصفهما قناتين متكاملتين لا متنافستين في الوصول إلى الجمهور
وخلاصة القول إن الاضطراب الرقمي يصنع فروقًا حقيقية بين الأجيال في مصادر المعلومات والاتجاهات، لكنها فروق مرنة تتشكل بالسياق والممارسة أكثر مما هي سمات ثابتة مطلقة، فقد أثبتت هذه الدراسة أن الجيل زد أكثر اعتمادًا على الوسائط الرقمية من سابقيه، وأن الشبكات الاجتماعية تتفوق في أثرها على الجميع دون تمييز جيلي، بما يقدم صورة أكثر دقة وتوازنًا عن السكان الرقميين الأصليين ويصحح كثيرًا من الافتراضات الانطباعية حولهم، ويدعو ذلك الباحثين والممارسين إلى التعامل مع مفهوم السكان الرقميين الأصليين بوصفه مفهومًا متحركًا يتطور مع تطور التقنية ذاتها، لا وصفًا نهائيًا لجيل بعينه








