مع اتساع دور شبكات التواصل الاجتماعي في تدفق المعلومات المالية، أصبح انتباه المستثمرين ومشاعرهم على هذه الشبكات عاملًا مؤثرًا في حركة الأسواق يستحق الفحص التجريبي، وتتناول هذه الدراسة سوق العقود الآجلة للسلع في الصين، وتسعى إلى تقدير أثر انتباه شبكات التواصل الاجتماعي ومشاعر المستثمرين فيها في عوائد هذا السوق، بما يفتح نافذة على البعد السلوكي في أسواق السلع الآجلة سريعة النمو، وعلى كيفية تحول المشاعر الرقمية الجماعية إلى إشارات تنبؤية للعوائد يمكن أن يستند إليها المتعاملون والرقباء
ويستند هذا الاهتمام البحثي إلى أدبيات التمويل السلوكي التي بينت أن قرارات المستثمرين لا تحركها الأساسيات الاقتصادية وحدها، بل تحركها أيضًا موجات الانتباه والمزاج الجماعي التي تنتشر عبر المنصات الرقمية بسرعة كبيرة، وفي أسواق العقود الآجلة، حيث الرافعة المالية مرتفعة وسرعة التداول عالية، قد تتحول تقلبات المشاعر إلى تحركات سعرية ملموسة في آجال قصيرة، ما يجعل قياس هذه المشاعر آليًا من النصوص الرقمية مهمة بحثية وتطبيقية واعدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تأثير انتباه شبكات التواصل الاجتماعي ومشاعر المستثمرين في عوائد سوق العقود الآجلة للسلع في الصين، واستخدمت الدراسة أربعة وثلاثين منتجًا من منتجات هذا السوق، واعتمدت على خوارزمية تعلم آلي لتحليل النصوص في بناء مقياس لمشاعر مستثمري شبكات التواصل الاجتماعي، بالتشاور مع ثلاثة مؤشرات لحجم البحث هي بايدو وسوغو و360، بما أتاح قياس الانتباه والمشاعر على نحو كمي وربطهما بحركة العوائد، وفحص كيفية تأثير المشاعر عند مستوياتها المختلفة في العوائد المتوقعة واستراتيجيات التداول
ويجمع تصميم الدراسة بين تحليل المشاعر المستخرج من نصوص شبكات التواصل الاجتماعي ومؤشرات حجم البحث على المنصات الصينية الكبرى، فبينما تلتقط النصوص اتجاه المشاعر إيجابًا وسلبًا، تلتقط مؤشرات البحث شدة الانتباه بغض النظر عن اتجاهه، وبمقارنة أداء مؤشرات بايدو وسوغو و360 أمكن ترتيب قدرتها التنبؤية، كما أتاح تقسيم المشاعر إلى مستويات فحص ما يحدث عند تطرفها، وهي المنطقة التي تتعاظم فيها احتمالات الانحراف عن الأساسيات الاقتصادية
ثانيًا: أبرز النتائج
توصلت الدراسة إلى أن مشاعر شبكات التواصل الاجتماعي مؤشر جيد للتنبؤ بعوائد العقود الآجلة للسلع، وأن انتباه المستثمرين يؤثر تأثيرًا إيجابيًا دالًا في العوائد والعوائد المطلقة، وأن مؤشر بايدو أفضل في التنبؤ بالعوائد من مؤشري سوغو و360، كما أظهر فحص أثر المشاعر عند مستوياتها المختلفة أن المشاعر السوقية المرتفعة للغاية لدى مستثمري شبكات التواصل الاجتماعي غيرت النتائج المتوقعة تغييرًا جوهريًا، فتبدلت بذلك الأسس التي تقوم عليها استراتيجيات التداول المحددة للمستثمرين في هذا السوق
وتتسق تفوقات مؤشر بايدو مع مكانته بوصفه محرك البحث الأكبر في الصين، إذ يعكس نشاط البحث عليه مزاجًا سوقيًا أوسع تمثيلًا، أما أثر الانتباه الإيجابي الدال في العوائد المطلقة فيشير إلى أن الانتباه الشديد يصاحبه نشاط تداول وتقلب أعلى بصرف النظر عن اتجاه الحركة، بينما يقدم تنبؤ المشاعر بالعوائد دليلًا على أن المحتوى الوجداني للتداول الرقمي يحمل معلومات سعرية تتجاوز مجرد ضجيج الانتباه وحجمه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة الجهات الرقابية بإدماج مشاعر المستثمرين ضمن أهدافها الرقابية، وبتعزيز تثقيف المستثمرين الأفراد، وتنطوي نتائجها على دلالات عملية للمتعاملين في أسواق العقود الآجلة، إذ يمكن توظيف مؤشرات الانتباه والمشاعر الرقمية في بناء استراتيجيات تداول وإدارة مخاطر أكثر استجابة للمزاج السوقي، كما تثري الدراسة أدبيات التمويل السلوكي في الأسواق الناشئة بتقديم أدلة من سوق العقود الآجلة للسلع في الصين على القيمة التنبؤية للمشاعر المستخرجة آليًا من النصوص الرقمية، وعلى مخاطر تطرف هذه المشاعر عند مستوياتها القصوى
وعلى صعيد إدارة المخاطر، تنبه النتائج مديري المحافظ إلى توظيف قراءات المشاعر المتطرفة بوصفها إشارات إنذار مبكر باحتمال انعكاس الاتجاهات، لا بوصفها إشارات اتباع أعمى للقطيع، وعلى صعيد البحث العلمي، تفتح الدراسة الباب لدمج بيانات المشاعر عالية التردد مع نماذج التسعير التقليدية، ولدراسة انتقال المشاعر بين أسواق السلع والأسهم والعملات الرقمية في البيئة الرقمية الصينية وغيرها من الأسواق الناشئة سريعة الرقمنة
وخلاصة القول إن انتباه شبكات التواصل الاجتماعي ومشاعر المستثمرين فيها يحملان قيمة تنبؤية حقيقية لعوائد العقود الآجلة للسلع في الصين، وأن مؤشر بايدو يتفوق على غيره في هذا التنبؤ، بما يستدعي عناية المتعاملين والرقباء معًا بهذه الإشارات الرقمية ومخاطرها عند بلوغها مستويات متطرفة








