أثارت سياسة الولايات المتحدة التجارية في عهد إدارة الرئيس بايدن جدلًا واسعًا حول مدى قطيعتها مع سياسات سلفه الرئيس ترامب، فبينما أحدث بايدن قطيعة واضحة مع سياسات ترامب في مجالات كثيرة، لا يبدو أن الحال كذلك حين يتعلق الأمر بالتجارة الدولية، وتحلل هذه الدراسة تحليلًا نقديًا سبعة عناصر في سياسة بايدن التجارية، هي سياسة شراء المنتجات الأمريكية، والتعريفات الجمركية، ومنظمة التجارة العالمية، واتفاقيات التجارة الحرة، والصين، والتقنية، وروسيا، لتقويم ما تحقق من وعود هذه السياسة وما آلت إليه على أرض الواقع، وتتوقف عند المفارقة المركزية فيها، وهي الإبقاء على معظم سياسات سلفه التجارية التي وصفت بالفاشلة، من تعريفات ترامب الجمركية إلى الحرب التجارية مع الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم سياسة إدارة بايدن التجارية تقويمًا نقديًا شاملًا عبر عناصرها السبعة، وبيان مدى اتساقها مع الوعود المعلنة ومع قواعد النظام التجاري متعدد الأطراف، واعتمدت الدراسة منهج التحليل القانوني والسياسي النقدي، فتتبعت مواقف الإدارة من كل عنصر وقارنتها بالممارسات السابقة وبمتطلبات الإصلاح العاجل للنظام التجاري العالمي، ورصدت الدراسة في هذا الإطار تبني الكونغرس بتوجيه من الإدارة سياسة صناعية واسعة النطاق تجسدت في أربعة قوانين تدعم قطاعات رئيسة في الاقتصاد الأمريكي، هي قانون خطة الإنقاذ الأمريكية بأربعين مليار دولار، وقانون البنية التحتية والوظائف بتريليون ومئتي مليار دولار، وقانون خفض التضخم بثلاثمئة وتسعة وستين مليار دولار، وقانون الرقائق الإلكترونية بمئتين واثنين وخمسين مليار دولار وسبعمئة مليون، بما شكل مع حمائية شراء المنتجات الأمريكية انحرافًا عن مثال التجارة الحرة الذي ميز سياسة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن إدارة بايدن واصلت السياسات القومية لسلفها، بحيث جعلت التجارة في خدمة غايات سياسية داخلية، عبر الاستخدام الاستراتيجي للتعريفات والإعانات وقواعد شراء المنتجات الأمريكية والترتيبات التجارية الإقليمية دون اكتراث بقواعد النظام متعدد الأطراف، وهو ما يمثل تراجعًا حاسمًا عن الانفتاح التجاري والعولمة، وقدمت الدراسة في المقابل حزمة إصلاحات ترى أنه لم يفت الأوان لتبنيها، في مقدمتها التفاوض على الإلغاء المتبادل لتعريفات ترامب، وفتح مفاوضات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ، وتبني استراتيجية متعددة الأطراف مع الحلفاء لكبح التجاوزات التجارية الصينية، وإعادة الانخراط في منظمة التجارة العالمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحدد الدراسة قائمة إصلاحات عاجلة للنظام التجاري متعدد الأطراف تتصدرها ثلاث قضايا، هي الإعانات الحكومية، والمؤسسات المملوكة للدولة، ونقل التقنية القسري، وترى أن معالجتها على الوجه الأفضل تكون عبر اتفاق متعدد الأطراف مصغر داخل منظمة التجارة العالمية أو عبر اتفاقيات تجارة تفضيلية، وتنطوي هذه النتائج على دلالات واسعة لشركاء الولايات المتحدة التجاريين، إذ تنبههم إلى أن السياسة التجارية الأمريكية لم تعد تتجه نحو مزيد من الانفتاح بالضرورة، وأن عليهم تنويع شراكاتهم وبناء ترتيبات بديلة، كما تفيد الباحثين في القانون التجاري الدولي بتحليل موثق لتحول أكبر اقتصاد في العالم نحو السياسة الصناعية والحمائية، بما يعيد تشكيل بيئة التجارة العالمية التي ستعمل فيها الدول والشركات لسنوات مقبلة
وتتضح خطورة هذا المسار حين نتأمل أن الأدوات الحمائية التي كان يُفترض أنها مؤقتة تحولت إلى بنية شبه دائمة في السياسة الأمريكية، فالتعريفات التي فُرضت بوصفها ورقة ضغط تفاوضية بقيت قائمة رغم تغير الإدارة وشعاراتها، وقوانين الدعم الصناعي الضخمة خلقت مصالح داخلية ستدافع عن استمرارها، وبذلك لم يعد الخلاف بين الإدارتين المتعاقبتين خلافًا في الجوهر بمقدار ما هو خلاف في الأسلوب والخطاب، وهي ملاحظة جوهرية لفهم مستقبل العلاقات التجارية العالمية، إذ تعني أن شركاء الولايات المتحدة مطالبون بالتعامل مع تحول بنيوي طويل الأمد في موقف أكبر اقتصاد عالمي من الانفتاح التجاري، لا مع تقلب انتخابي عابر يمكن تجاوزه بانتظار إدارة جديدة تعيد الأمور إلى سابق عهدها
وخلاصة القول إن سياسة بايدن التجارية تقدم درسًا في فجوة الوعود والممارسة، فقد جاءت بوعود إصلاحية واسعة ثم أبقت على جوهر سياسات سلفها الحمائية، وتقدم هذه الدراسة خريطة إصلاحات ما تزال ممكنة التحقيق، إن توافرت الإرادة السياسية للعودة إلى الانفتاح والتعددية في إدارة التجارة العالمية








