يتزايد الاهتمام بالتعاون بين المدارس والمنظمات خارج المدرسة لإثراء تعلم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، غير أن الأسئلة ما تزال قائمة حول الشروط الفعلية التي تمكّن هذه الشراكات من النجاح، وتندر الرؤى التجريبية في هذا المجال ولا سيما حين يتعلق الأمر بمنظورات المنخرطين مباشرة في التخطيط والممارسة، كما أن الأطر القائمة كثيرًا ما تركز على أنماط محددة من الشراكة أو تفتقر إلى التكامل مع نظريات أوسع للتعاون التعليمي، وتعالج هذه الدراسة هذه الفجوة باستكشاف كيفية إدراك الفاعلين المنخرطين في التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ اليومي للشروط الممكّنة لنجاح هذا التعاون
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أنواع رأس المال التعليمي التي يعدها الممارسون ضرورية لنجاح التعاون بين المدارس والمنظمات الخارجية في تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، مستندة إلى منهج رأس المال التعليمي والتعلمي إطارًا نظريًا وتحليليًا، وتناولت كيفية اختلاف هذه الأنواع عبر مراحل التعاون المتمثلة في البدء والتنفيذ والاستدامة، وتحديد التركيبات الحرجة بينها وأنواع التآزر التي يميزها الممارسون والموضوعات والشواغل المرتبطة بكل نوع، إضافة إلى فحص اختلاف التصورات بين الأفراد في الأدوار القيادية الاستراتيجية وأولئك في الأدوار التشغيلية الموجهة نحو الممارسة، واعتمدت الدراسة مقابلات شبه منظمة مع ثمانية عشر من معلمي المرحلة الثانوية وقادتها من مديرين ومعلمين في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات ممن لديهم ملفات تعاون راسخة، وحللت البيانات باستخدام إطار رأس المال التعليمي والتعلمي إطارًا للترميز يغطي خمسة أنواع هي رأس المال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي والبنية التحتية
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن أنماط مرحلية في تركيز الموارد، إذ برز رأس المال الاجتماعي في مرحلة البدء بينما تقدم رأس المال التعليمي في مرحلة التنفيذ، كما ظهرت أوجه تآزر متكررة بين أنواع رأس المال المختلفة بحيث يعزز بعضها بعضًا في دعم مسار التعاون، وتبين أن الفاعلين الاستراتيجيين والتشغيليين ركزوا على عوامل تمكين مختلفة بحسب مواقعهم ومسؤولياتهم، لكنهم اشتركوا في فهم منظومي للتعاون بوصفه عملية كثيفة الموارد تتطلب استثمارًا مستمرًا، وقدمت تصورات الممارسين عبر الأدوار صورة متكاملة عن الشروط التي تجعل الشراكات بين المدرسة وشركائها الخارجيين قابلة للانطلاق والاستمرار وتحقيق أهدافها التعليمية
وفصّلت النتائج صورة التآزر بين أنواع رأس المال، إذ تبين أن توافر نوع منها يسهل بناء الأنواع الأخرى ويعزز عائدها، فالعلاقات الاجتماعية التي تُبنى في مرحلة البدء تهيئ لتبادل الموارد الاقتصادية والمعرفية لاحقًا، بينما يتطلب تنفيذ الأنشطة المشتركة رأس مال تعليميًا يتمثل في خبرات الممارسين وقدراتهم التدريسية وبنية تحتية ملائمة لاستضافة الأنشطة، وقدمت المقاربات بين تصورات القادة الاستراتيجيين والمنفذين التشغيليين رؤية مزدوجة ثرية، فكل فريق يرى من موقعه شروطًا لا يراها الآخر بالوضوح ذاته، وهو ما يجعل أي تخطيط ناجح للتعاون محتاجًا إلى الإصغاء للطرفين معًا وعدم الاكتفاء بمنظور الإدارة العليا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في تقديم إطار قائم على الموارد لتحليل التعاون بين المدارس والمنظمات الخارجية في تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتبرز أهمية هياكل دعم تراعي خصوصية كل دور وكل مرحلة من مراحل التعاون، ويمنح إسقاط رؤى الممارسين على إطار رأس المال التعليمي والتعلمي أساسًا مفاهيميًا وعمليًا للمدارس وصناع السياسات ومنظمي الشبكات الساعين إلى بناء تعاون مستدام ومتسق استراتيجيًا، وتعد هذه الدراسة بحسب علم الباحثين الأولى من نوعها في تقديم سرد مرحلي قائم على الموارد لهذا التعاون مستند إلى منظورات الممارسين أنفسهم
وتترتب على هذه النتائج دلالات عملية لشبكات التعاون التعليمي ومنظميها، فبناء الشراكات المستدامة والمتسقة استراتيجيًا يقتضي استثمارًا مرحليًا مخططًا يبدأ ببناء الثقة والعلاقات الاجتماعية ثم ينتقل إلى دعم القدرات التعليمية والبنية التحتية في مرحلة التنفيذ ويستمر بموارد تحافظ على الزخم في مرحلة الاستدامة، كما توفر الدراسة لمديري المدارس ومسؤولي المنظمات الشريكة لغة مشتركة لتشخيص مواضع القوة والقصور في تعاونهم الراهن، وتدعو الباحثين إلى اختبار إطار رأس المال التعليمي والتعلمي في سياقات وطنية وأنواع شراكات مختلفة للتحقق من عمومية الأنماط المرحلية التي كشفتها هذه الدراسة
وخلاصة القول إن نجاح التعاون بين المدارس والمنظمات خارج المدرسة ليس وليد الصدفة بل ثمرة توافر تركيبات مدروسة من الموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والبنية التحتية تتغير أولوياتها من مرحلة إلى أخرى، ومن ثم فإن التخطيط الواعي لهذه الموارد ومراعاة اختلاف حاجات القادة الاستراتيجيين عن حاجات المنفذين الميدانيين يمثلان شرطًا عمليًا لاستدامة الشراكات التعليمية وتعظيم أثرها في تعلم الطلاب للعلوم والتقنية والهندسة والرياضيات








