تحتل المواد المثيرة للقلق الشديد مكانة خاصة في التنظيم الأوروبي للمواد الكيميائية، إذ تسبب آثارًا خطيرة لا رجعة فيها غالبًا على صحة الإنسان والبيئة، وتدرج هذه المواد في قائمة المرشحين ضمن لائحة ريتش انتظارًا لمزيد من المعالجة التنظيمية التي قد تصل إلى التقييد أو الترخيص المشروط، ومع طول هذه القائمة وتنوع المواد فيها تنشأ حاجة ملحة إلى جهود ترتيب للأولويات تتيح تقييم المواد الكيميائية الخطرة بسرعة وكفاءة وتوجيه الموارد الرقابية نحو الأخطر أولًا، ويقترح منطق التعرض أن تكون الأولوية للمواد التي يتعرض لها العاملون فعليًا بمستويات أعلى، غير أن قياسات التعرض في أماكن العمل غالبًا ما تكون غائبة أو شحيحة، ما يطرح سؤال الجدوى الذي تتصدى له هذه الدراسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم ما إذا كان من الممكن عمليًا إجراء ترتيب لأولويات المواد المثيرة للقلق الشديد ذات الصلة المهنية بناءً على التعرض، وذلك في ظل غياب قياسات التعرض الفعلية في أماكن العمل، واستخدمت الدراسة بدائل للتعرض تمثلت في بيانات استخدام المنتجات وحجم الإنتاج والعمليات الصناعية لبناء ملفات تعرض للعاملين المهنيين في بلدان الشمال الأوروبي، واعتمدت في جمع هذه البدائل على مصادر معلومات عامة في مقدمتها سجلات المنتجات الوطنية وقاعدة بيانات الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية وسيناريوهات التعرض في أماكن العمل المنشورة ضمن إطار لائحة ريتش، ثم اختبرت مدى كفاية ما تتيحه هذه المصادر من بيانات لبناء ملف تعرض متماسك لكل مادة يصلح أساسًا لمقارنة المواد وترتيب أولويتها التنظيمية ترتيبًا مبررًا وشفافًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن إنشاء قائمة أولويات للمواد المثيرة للقلق الشديد قائمة على التعرض اعتمادًا على المعلومات المتاحة للعموم وحدها أمر بالغ الصعوبة، ويعود ذلك أساسًا إلى محدودية إتاحة البيانات في المصادر الرئيسة التي فحصتها الدراسة، فبيانات سجلات المنتجات غير مكتملة الوصول، ومعلومات قاعدة بيانات الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية لا تغطي كل ما يلزم لبناء ملفات تعرض دقيقة، وسيناريوهات التعرض في أماكن العمل ضمن لائحة ريتش لا توفر التفاصيل الكافية عن الاستخدامات المهنية الفعلية وأحجامها، وبذلك تظل الصورة اللازمة لتقدير تعرض العاملين مجزأة بين مصادر متفرقة يصعب دمجها في تقييم واحد متسق، فتتعطل إمكانية ترتيب أولويات قابل للدفاع عنه علميًا وتنظيميًا في الوقت الراهن
وتكشف هذه الصعوبات عن مفارقة لافتة في قلب التنظيم الكيميائي الأوروبي المعاصر، فنظام بُني ليكون قائمًا على الأدلة يفتقر في لحظة اتخاذ القرار إلى نوع أساس من الأدلة اللازمة لترتيب أولوياته، وهي بيانات من يتعرض للمواد الخطرة وأين وبأي كميات، فتبقى قوائم الأولويات أسيرة ما هو متاح من بيانات الإنتاج والتسجيل لا ما هو أخطر من حيث التعرض الفعلي للعاملين، وهو انحراف صامت قد يوجه الموارد الرقابية سنوات طويلة نحو مواد واسعة الانتشار لكنها منخفضة التعرض المهني، بينما تنتظر مواد أخرى أشد أثرًا في صحة العاملين دورها في ذيل القائمة التنظيمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن محدودية إتاحة البيانات تعيق إجراء تقييم فعال وشفاف لمخاطر المواد الكيميائية وترتيب أولويات المواد بناءً على التعرض ترتيبًا يمكن أن يفيد السلطات التنظيمية وغيرها من أصحاب المصلحة، وتوجه النتائج رسالة واضحة إلى المؤسسات الأوروبية والوطنية المعنية بضرورة إتاحة بيانات التعرض بصورة أوسع وأكثر تنظيمًا، سواء من سجلات المنتجات أو من ملفات التسجيل وسيناريوهات التعرض، حتى تصبح أولويات العمل الرقابي مبنية على أدلة التعرض الحقيقية لا على المتاح من البيانات فحسب، كما تفيد الباحثين في علوم التعرض وإدارة المخاطر بتحديد مواضع الفجوات المعلوماتية التي ينبغي أن تستهدفها جهود جمع البيانات المستقبلية في بلدان الشمال الأوروبي وغيرها
وتقدم الدراسة بذلك أساسًا واقعيًا لمطالب إصلاحية متصاعدة في الأدبيات التنظيمية تدعو إلى فتح سجلات المنتجات الوطنية أمام الباحثين والجهات المقيمة بشروط حماية معقولة للبيانات التجارية، وإلى إلزام مسجلي المواد بتقديم سيناريوهات تعرض أكثر تفصيلًا وقابلية للاستخدام والتحليل، فكل خطوة في إتاحة البيانات تترجم مباشرة إلى قدرة أعلى على حماية العاملين في القطاعات الصناعية والحرفية الذين يتعاملون مع المواد الخطرة يوميًا وهم في العادة الأقل صوتًا في مداولات التنظيم الأوروبي بشأن المواد الكيميائية
وخلاصة القول إن ترتيب أولويات المواد الخطرة بناءً على تعرض العاملين لها فكرة تنظيمية سليمة تصطدم اليوم بجدار إتاحة البيانات، وإن تجاوز هذا الجدار عبر شفافية معلوماتية أوسع شرط سابق لأي حوكمة كيميائية رشيدة، وتقدم هذه الدراسة بذلك دليلًا عمليًا على أن معركة سلامة المواد الكيميائية تبدأ من معركة البيانات ذاتها








