يتسارع توفر تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتشار استخدامها في الحياة الجامعية، بما يقدمه ذلك من فرص وفوائد للطلاب وبما يثيره في الوقت ذاته من تحديات تربوية جديدة، ويصبح من المفيد علميًا وعمليًا فحص العوامل المرتبطة باستخدام الطلاب الفعلي لهذه التقنيات حتى يمكن توجيه هذا الاستخدام توجيهًا رشيدًا، وتبرز من بين هذه العوامل الكفاءة الذاتية، أي اعتقاد الطالب بقدرته على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بنجاح، والفضول بوصفه دافعًا معرفيًا يدفع الفرد إلى استكشاف الجديد وتعلم كيفية التعامل معه، وقد ظلت العلاقات المتبادلة بين هذين العاملين وبين استخدام الذكاء الاصطناعي غير محسومة في الأدبيات رغم أهميتها المتنامية لأعضاء هيئة التدريس ومصممي التعليم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الصلات بين الكفاءة الذاتية في استخدام الذكاء الاصطناعي والفضول والاستخدام المبلغ عنه للذكاء الاصطناعي لدى طلاب الجامعات، واعتمدت منهجًا وصفيًا ارتباطيًا طُبق على عينة مكونة من مئة وثلاثة وعشرين طالبًا جامعيًا، بلغ المتوسط الحسابي لأعمارهم 37.83 عامًا بانحراف معياري قدره 20.64، وكان من بينهم ثمانية وثمانون امرأة، وأبلغ المشاركون عن مقدار الوقت الذي يمضونه في استخدام الذكاء الاصطناعي في دراساتهم الجامعية، وأكملوا مقاييس لقياس الكفاءة الذاتية في استخدام الذكاء الاصطناعي ومقاييس لقياس الفضول بأبعاده المختلفة، ثم حُللت البيانات لاختبار الارتباطات المباشرة بين المتغيرات واختبار ما إذا كانت الكفاءة الذاتية تؤدي دور المتغير الوسيط الذي يربط بين الفضول والاستخدام الفعلي للتقنية في الحياة الدراسية اليومية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الكفاءة الذاتية في استخدام الذكاء الاصطناعي ارتبطت بمزيد من الاستخدام الفعلي له، فكلما ازداد اعتقاد الطالب بقدرته على التعامل مع هذه الأدوات ازداد إقباله عليها في دراسته، كما ارتبط المستوى الأعلى من الفضول العام بكفاءة ذاتية أكبر في استخدام الذكاء الاصطناعي، وأظهر بعد الاستكشاف في الفضول ارتباطًا قويًا بصورة خاصة بهذه الكفاءة، بما يشير إلى أن الطلاب الأكثر ميلًا إلى خوض التجارب الجديدة وتقصي إمكانات الأدوات يبنون ثقة أعلى بقدرتهم على توظيفها، وتبين كذلك أن الكفاءة الذاتية ربطت بين الفضول والاستخدام، أي أنها توسطت العلاقة بينهما، فالفضول لا يقود إلى الاستخدام بصورة آلية مباشرة، وإنما يتحول إلى سلوك استخدام فعلي حين يقترن باعتقاد الطالب أنه قادر على إتقان الأداة والاستفادة منها
وتفصح هذه النتائج عن سلسلة نفسية وتربوية متكاملة تبدأ من الميل الاستكشافي لدى الطالب وتنتهي بسلوك استخدام فعلي، فالطالب الفضولي يجرب الأدوات الجديدة مبكرًا، ونجاح تجاربه الأولى يبني لديه اعتقادًا متصاعدًا بقدرته على إتقانها، وهذا الاعتقاد هو الذي يحول التجريب العابر إلى استخدام منتظم موظف في الدراسة والمذاكرة وإنجاز المهام، ولعل في التفاوت الواضح في أعمار أفراد العينة ما يضفي على النتائج دلالة إضافية، إذ ينتمي المشاركون إلى فئات عمرية جامعية متنوعة، فجاء الارتباط بين الفضول والكفاءة الذاتية والاستخدام حاضرًا عبر هذه الخبرات المختلفة لا محصورًا في شريحة عمرية ضيقة بعينها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم معرفة الصلات بين الكفاءة الذاتية والفضول واستخدام الذكاء الاصطناعي معلومات جديدة ذات صلة مباشرة بالممارسة التعليمية، إذ يستطيع المعلمون مساعدة طلابهم على جني فوائد التقنية عبر أنشطة تستثير الفضول وتدفع إلى الاستكشاف الآمن لأدواتها، مقرونة بتدريب متدرج يبني الكفاءة الذاتية خطوة خطوة بدل الاكتفاء بإتاحة الأدوات وترك الطلاب أمامها، كما تفيد النتائج مصممي المقررات في إدماج مهام استكشافية موجهة تجعل تجربة الأدوات الجديدة جزءًا من التعلم ذاته، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تختبر هذه العلاقات في تخصصات وسياقات جامعية متنوعة وترصد تطورها عبر الزمن مع نضج خبرة الطلاب بالتقنية
وتنبه النتائج أيضًا إلى خطر فجوة متنامية بين الطلاب، فمن يمتلكون فضولًا وكفاءة ذاتية مرتفعين سيستثمرون أدوات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من زملائهم الأقل ثقة بقدراتهم، ما قد يوسع فوارق التحصيل والفرص إن لم تتدخل الجامعات ببرامج دعم موجهة وسقالات تعليمية مناسبة، ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى مقاربات تعليمية استباقية تجعل تجربة الأدوات الجديدة نشاطًا موجهًا داخل المقررات الدراسية ذاتها لا مغامرة فردية يخوضها الطالب وحده خارجها دون إرشاد أو متابعة
وخلاصة القول إن استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي لا يتحدد بتوفر التقنية وحدها، بل بثنائية دافعية ومعرفية تجمع بين فضول يدفع إلى الاستكشاف وكفاءة ذاتية تحول هذا الاستكشاف إلى استخدام واثق منتظم، وإن عناية المعلمين ببناء هذين العاملين معًا هي الطريق الأقصر لتحويل حضور الذكاء الاصطناعي في الجامعة من ظاهرة عارضة إلى مورد تعليمي مستثمر بوعي








