تستكشف هذه الدراسة ما إذا كانت الفروق الفردية ممثلة في سمات الشخصية الخمس الكبرى والقدرة المعرفية ترتبط بمعتقدات الأفراد حول التغير المناخي وسلوكياتهم البيئية، إذ يمثل التغير المناخي البشري المصدر تهديدًا وجوديًا للبشر والتنوع الحيوي الأوسع، غير أن أفعال الأفراد مجتمعة يمكن أن تسهم في التخفيف من آثاره، ومن ثم فإن فهم العوامل التي تشكل معتقدات الأفراد وسلوكياتهم البيئية مسألة حاسمة لتوجيه حملات المعرفة المناخية، وقد اختبرت الدراسة هذه الارتباطات ببيانات طولية تسمح بقياس الفروق الفردية في المراهقة ثم تتبع معتقدات أصحابها وسلوكياتهم المناخية عند بلوغهم نحو الثلاثين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استخدمت الدراسة بيانات طولية من دراسة أتراب ميلاد في المملكة المتحدة، قيست فيها الفروق الفردية حين كان المشاركون مراهقين تتراوح أعمارهم بين ثلاثة عشر وخمسة عشر عامًا، وقيمت معتقداتهم وسلوكياتهم المناخية عند عمر يقارب الثلاثين، وشملت هذه المعتقدات والسلوكيات الاعتقاد بأن المناخ يتغير، والقلق بشأن التغير المناخي، وإسناد مسؤولية التغير إلى البشر، والاعتقاد بأن الأفعال الفردية قادرة على التخفيف منه، وممارسة سلوكيات صديقة للبيئة لأسباب مناخية كتقليل السفر الجوي وتقليل استهلاك اللحوم والألبان، ووظفت نماذج الانحدار لاستكشاف الارتباطات مع ضبط مجموعة من المتغيرات الاجتماعية والديموغرافية ذات الصلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج ارتباطات موجبة متسقة بين القبولية والانفتاح على الخبرة ودرجات القدرة المعرفية وبين المعرفة البيئية والفعل البيئي، فقد مال الأفراد الأعلى في هذه السمات والقدرات إلى الاعتقاد بالتغير المناخي وإسناده للبشر وتبني سلوكيات مخففة لآثاره بدرجة أكبر، بينما كانت الارتباطات الخاصة بالانبساطية ويقظة الضمير والاستقرار الوجداني أضعف وأقل اتساقًا عبر النواتج المختلفة، وتشير هذه الصورة إلى أن الفروق الفردية المتشكلة مبكرًا في المراهقة قد تشكل على المدى الطويل معتقدات الأفراد وأفعالهم المتعلقة بالمناخ، وأن أثر الشخصية في الاستجابة المناخية حقيقي لكنه متفاوت بين سمة وأخرى وبين نوع من المعتقدات والسلوكيات وآخر
وتغطي نواتج المناخ التي فحصتها الدراسة طيفًا واسعًا من الاستجابة الفردية، بدءًا من الاعتقاد بأن المناخ آخذ في التغير، مرورًا بالقلق إزاء هذا التغير، وإسناد مسؤوليته إلى النشاط البشري، والإيمان بأن أفعال الأفراد قادرة على التخفيف منه، وانتهاء بسلوكيات عملية يقوم بها الأفراد لأسباب مناخية كتقليل السفر الجوي وتقليل استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان، وقد ضبطت نماذج الانحدار أثر مجموعة من المتغيرات الاجتماعية والديموغرافية كي لا تنسب إلى الشخصية والقدرة المعرفية آثار تعود في الحقيقة إلى التعليم أو الدخل أو غيرهما، فجاءت الارتباطات المرصودة أكثر إقناعًا وأقرب إلى عزل أثر الفروق الفردية ذاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات لجهود التواصل المناخي، إذ تشير إلى فئات قد تستهدفها حملات المعرفة المناخية بفاعلية أكبر حين تصمم رسائلها بما يلائم سمات الجمهور وقدراته المعرفية، كما تنبه إلى أن الاعتماد على المعلومات وحدها قد لا يكفي مع فئات تقل فيها الدوافع المرتبطة بالانفتاح والقبولية فتستدعي مقاربات بديلة، وتستفيد دراسات علم النفس البيئي من التصميم الطولي الذي يربط سمات المراهقة بسلوكيات الرشد عبر عقد ونصف تقريبًا بما يعزز الثقة في الاتجاه الزمني للعلاقات المرصودة، وتفتح الباب لبحوث تستكشف الآليات الوسيطة التي تحول السمات والقدرات إلى معتقدات وسلوكيات مناخية فعلية
وتشير الدراسة في ضوء هذه النتائج إلى أن الاختلافات بين الأفراد في الاستجابة المناخية ليست عشوائية تمامًا، فهي تتصل جزئيًا بسمات وقدرات تشكلت منذ المراهقة، بما يعني عمليًا أن حملات المعلومات المناخية قد تحقق أثرًا أكبر إذا صممت بمراعاة من تخاطبهم، فتخاطب المنفتحين على الخبرة بلغة الاكتشاف، وتستثمر ميل المقبولين إلى الاهتمام بالآخرين وبالبيئة المشتركة، وتبسط المعرفة لتصل إلى مستويات متفاوتة من القدرات المعرفية، كما تنبه النتائج الباحثين إلى أن تفسير الفروق في السلوك البيئي يستدعي إدخال علم نفس الفروق الفردية إلى جانب العوامل الاقتصادية والثقافية المعتادة
وتتسق هذه الصورة مع ما توحي به نتائج الدراسة ذاتها من أن الانفتاح على الخبرة يهيئ صاحبه لاستقبال المعرفة الجديدة ومراجعة قناعاته، وأن القدرة المعرفية تعين على فهم الأدلة العلمية المعقدة وتقدير دلالاتها بعيدة المدى، بينما تحتاج سمات أخرى كالانبساطية ويقظة الضمير والاستقرار الوجداني إلى سياقات محددة كي يظهر أثرها في السلوك المناخي بوضوح أكبر
وخلاصة القول إن سمات الشخصية والقدرة المعرفية المقيسة في المراهقة ترتبط بصورة متسقة وإن كانت متفاوتة بمعتقدات الأفراد المناخية وسلوكياتهم في الرشد، ويتصدر الانفتاح على الخبرة والقبولية والقدرة المعرفية هذه الارتباطات، وهو ما يجعل من الفروق الفردية عاملًا يستحق الإدماج في تصميم سياسات التواصل المناخي وحملاته المقبلة








