تُعد استراتيجيات التعلم المنظم ذاتيًا من أهم ما يعين الطالب على إدارة تعلمه وتوجيهه، وقد استقر في الأدبيات أن هذه الاستراتيجيات قد تختص بمجالات بعينها فتختلف من مقرر إلى آخر، غير أنه ظل غير واضح ما إذا كانت هذه الخصوصية تمتد إلى الموضوعات الفرعية المختلفة داخل المجال الواحد نفسه، فهل يتصرف الطالب بالأنماط ذاتها حين ينتقل بين فروع مقرر واحد؟ تجيب هذه الدراسة عن هذا السؤال عبر فحص تجانس تجليات سلوكيات التعلم لدى طلاب جامعيين داخل بيئة تعلم حاسوبية، متناولة أربعة موضوعات فرعية متميزة في مقرر تمهيدي في الإحصاء، ورابطة بين أنماط الانخراط في الاستراتيجيات فوق المعرفية ومكاسب التعلم في كل موضوع فرعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص التجليات غير المتجانسة لسلوكيات التعلم عبر الموضوعات الفرعية الأربعة، واستكشاف كيفية ارتباط الوقت المستغرق في الانخراط في الاستراتيجيات فوق المعرفية بمكاسب التعلم في تلك الموضوعات، وجمع الباحثون البيانات من 210 طلاب جامعيين يعملون في بيئة تعلم حاسوبية، ووظّفوا مقاربتين تحليليتين مختلفتين جمعتا بين تحليلات التعلم القائمة على البيانات، ممثلة في التنقيب في أنماط التسلسل، والأساليب المستنيرة بالنظرية ممثلة في تحليل التماسك، كما قارنت الدراسة بين الطلاب بحسب مستويات معرفتهم السابقة ومكاسب تعلمهم لرصد فروق انخراطهم في أنماط التعلم ذات الصلة بالتنظيم الذاتي، بما يمنح النتائج عمقًا تفسيريًا يجمع بين ما تفعله البيانات وما تقترحه النظرية
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن تباين ملحوظ في تواتر أنماط التعلم المرتبطة ارتباطًا محتملًا باستراتيجيات التعلم المنظم ذاتيًا عبر الموضوعات الفرعية الأربعة، ففي موضوع فرعي يتعلق بالحسابات تبين أن الانخراط في الاختبارات القصيرة المتماسكة، بوصفها نوعًا من الاستراتيجيات فوق المعرفية، كان أقل ارتباطًا بمكاسب التعلم مقارنة بالموضوعات الفرعية الأخرى، كما وجدت الدراسة أن الطلاب ذوي مستويات المعرفة السابقة ومكاسب التعلم المختلفة أظهروا درجات متفاوتة من الانخراط في أنماط التعلم في سياق التنظيم الذاتي، بما يؤكد أن فاعلية الأنشطة ذاتها ليست ثابتة، بل تتوقف على طبيعة الموضوع الفرعي وعلى خصائص المتعلم نفسه وما يمتلكه من رصيد معرفي سابق
وتكتمل صورة النتائج بالنظر إلى تفاعل خصائص المتعلم مع طبيعة الموضوع الفرعي، فقد أظهر الطلاب ذوو المعرفة السابقة المرتفعة أنماط انخراط تختلف عن أقرانهم الأقل معرفة، واختلفت درجات انخراط الفئتين في أنماط التعلم المرتبطة بالتنظيم الذاتي باختلاف الموضوعات الفرعية ذاتها، بما يعني أن أثر أي نشاط تعليمي ليس خاصية ثابتة في النشاط نفسه بل نتاج لقاء بين النشاط والمتعلم والموضوع، وهي نتيجة تنبه مصممي بيئات التعلم الحاسوبية إلى خطأ افتراض تجانس المتعلمين أو تجانس المقررات، وتدعم توظيف تحليلات التعلم لرصد هذه الفروق الدقيقة التي لا تلتقطها الدرجات النهائية وحدها ولا الملاحظة العابرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستنتج الدراسة أن استخدام أنماط التعلم المرتبطة باستراتيجيات التنظيم الذاتي وفاعلية هذا الاستخدام لا يتباينان عبر السياقات والمجالات فحسب، بل حتى عبر موضوعات فرعية مختلفة داخل المادة الواحدة، وهو ما يؤكد أهمية تدخلات تدريبية على التعلم المنظم ذاتيًا تكون مخصصة وواعية بالسياق داخل بيئات التعلم الحاسوبية، إذ يمكن لمثل هذه التدخلات أن تعزز نواتج التعلم تعزيزًا كبيرًا عبر معالجة العلاقات غير المتجانسة بين أنشطة التنظيم الذاتي ونتائجها، كما تقدم النتائج آثارًا نظرية في تجانس التعلم المنظم ذاتيًا ضمن نماذجه المختلفة، ففهم هذا التجانس يثري تلك النماذج ويمنحها رؤى أكثر دقة وتفصيلًا حول استراتيجيات المتعلمين فوق المعرفية عبر الموضوعات الفرعية المتنوعة
ومن الناحية النظرية تساهم الدراسة في إعادة صياغة فهمنا لخصوصية التعلم المنظم ذاتيًا، فإذا كانت الأدبيات قد أثبتت اختلاف الاستراتيجيات بين المجالات كالرياضيات والعلوم الإنسانية، فإن هذه النتائج تدفع الخصوصية درجة أعمق إلى داخل المجال الواحد، بما يستدعي نماذج نظرية تراعي مستوى الموضوع الفرعي في تفسيرها لسلوك المتعلمين، أما عمليًا فإن بيئات التعلم الحاسوبية الحديثة بما تجمعه من بيانات تتبعية دقيقة قادرة على رصد أنماط الانخراط لحظة بلحظة، ومن ثم تقديم تدخلات تدريبية مخصصة تستجيب لموضع الطالب في المقرر ولمستوى معرفته السابقة، بدل تدخلات عامة واحدة توجه إلى جميع الطلاب بالصيغة ذاتها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أثبتت أن سلوكيات التعلم المنظم ذاتيًا غير متجانسة حتى داخل المقرر الواحد، إذ تباينت أنماطها وعلاقتها بمكاسب التعلم عبر موضوعات الإحصاء الفرعية الأربعة وبين فئات الطلاب، بما يدعو إلى تدخلات تدريبية مخصصة وواعية بسياق كل موضوع فرعي، ويثري النماذج النظرية للتعلم المنظم ذاتيًا بفهم أدق لاستراتيجيات المتعلمين فوق المعرفية








