أعادت التقنيات الرقمية المتطورة بسرعة واستمرار تشكيل المشهد التعليمي، مولدة خبرات وجدانية متنوعة لدى المعلمين الذين يعيشون التحول الرقمي في ممارساتهم اليومية، فبين ما تتيحه الأدوات الرقمية من مرونة وتفاعلية وفرص ابتكار وما تفرضه من ضغوط وتهديدات متصورة تتشكل مشاعر معلمي اللغة الإنجليزية بوصفها لغة أجنبية وتتعدد سوابقها، وتفحص هذه الدراسة الخبرات الوجدانية لمعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين في الجامعات والسوابق الرئيسة الكامنة وراء تلك الانفعالات في زمن التحول الرقمي للتعليم، مستخدمة تصميمًا مختلط الأساليب تفسيريًا متتابعًا يجمع بين المسح الكمي والمقابلات النوعية والتكامل المنهجي بينهما، بما يقدم صورة مركبة لانفعالات المعلمين تتجاوز رصد المشاعر إلى تفسير مصادرها وربطها بأهدافهم المهنية وأداء طلابهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الخبرات الوجدانية لمعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين والسوابق الرئيسة لتلك الانفعالات، ووظفت تصميمًا مختلط الأساليب تفسيريًا متتابعًا، فجمعت أولًا بيانات استبانة من مئتين وستة وتسعين معلمًا جامعيًا للغة الإنجليزية حددت خمسة انفعالات رئيسة هي الحب والفرح والغضب والحزن والخوف، ثم أجرت مقابلات شبه مقننة مع ستة عشر مشاركًا لاستكشاف السوابق الكامنة وراء هذه الخبرات الوجدانية، ودمجت النتائج النوعية لاحقًا مع النتائج الكمية وقدمتهما عبر عرض مشترك يحقق التكامل بين مرحلتي التصميم، وبذلك أتاح التسلسل التفسيري الانتقال من خريطة عامة لتوزيع الانفعالات إلى فهم عميق لمثيرات كل انفعال في سياق التحول الرقمي الذي يعيشه المعلمون
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن معلمي اللغة الإنجليزية عاشوا الانفعالات الإيجابية بتكرار أعلى من الانفعالات السلبية، ومن بين الانفعالات الخمسة الرئيسة حقق الفرح والحب أعلى المتوسطات الحسابية وتلاهما الخوف ثم الغضب ثم الحزن على الترتيب، وارتبطت انفعالات المعلمين ارتباطًا وثيقًا بأهدافهم المهنية وأداء طلابهم، وتبين أن عوامل متعددة تشكل هذه الخبرات، فقد عززت المرونة والتفاعلية وفرص الابتكار التي أتاحها التحول الرقمي إحساس المعلمين بحب عملهم، وساهمت كفاءة الأدوات والمنصات الرقمية ووفرة مواردها في شعورهم بالفرح، وفي المقابل أثارت سوء سلوك الطلاب وتصرفاتهم غير النزيهة مشاعر الغضب، وعاش المعلمون الحزن حين واجهوا ضعف التفكير الناقد لدى طلابهم وحين شعروا بدعم غير كاف في عملهم، أما الخوف فقادته أساسًا ضغوط الأقران وقيود الوقت وتهديد الاستبدال بالذكاء الاصطناعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
ناقشت الدراسة دلالات هذه النتائج وقدمت توصيات لتنظيم انفعالات معلمي اللغة الإنجليزية ودعمهم وجدانيًا في الصين والسياقات التعليمية المشابهة، وتدل النتائج على أن دعم المعلم وجدانيًا في زمن التحول الرقمي ينبغي أن يوازن بين تعظيم مصادر الفرح والحب المهنية المتصلة بمرونة الأدوات ومواردها ومعالجة مصادر الغضب والحزن والخوف المتصلة بسلوك الطلاب وضعف الدعم وضغوط الأقران والوقت ومخاوف الذكاء الاصطناعي، كما تبرز أهمية ربط برامج التطوير المهني بالأبعاد الوجدانية لا المهارية وحدها، فالمعلم الذي يفهم انفعالاته وسوابقها أقدر على تنظيمها وتحويل التحول الرقمي من مصدر تهديد إلى فرصة نمو مهني ووجداني معًا
وتكشف خريطة السوابق التي رسمتها الدراسة أن انفعالات المعلمين ليست ردود فعل غامضة بل استجابات منظمة لمثيرات قابلة للرصد والتدخل، فلكل انفعال سابقة يمكن معالجتها، فالغضب المرتبط بسلوك الطلاب ونزاهتهم يستدعي أنظمة سلوك وقواعد نزاهة أكاديمية واضحة، والحزن المرتبط بضعف التفكير الناقد والدعم يستدعي تطويرًا مهنيًا ودعمًا مؤسسيًا ملموسًا، والخوف المرتبط بضغوط الأقران والوقت والذكاء الاصطناعي يستدعي إدارة عادلة لأعباء العمل ورسائل طمأنة وتدريبًا يحول الذكاء الاصطناعي إلى مساعد لا منافس، وفي المقابل ينبغي حماية مصادر الفرح والحب المرتبطة بمرونة الأدوات ووفرة الموارد لأنها رأس مال وجداني يدفع المعلمين إلى الاستمرار والتجريب، وهكذا تتحول نتائج الدراسة إلى برنامج عمل وجداني للمؤسسات التعليمية يقوم على تشخيص السوابق قبل معالجة الانفعالات ذاتها في كل مرحلة من مراحل التحول الرقمي المتواصل
كما يلفت التصميم المتتابع الانتباه إلى قيمة التوقيت في بحوث انفعالات المعلمين، إذ رصدت الاستبانة خريطة الانفعالات أولًا ثم جاءت المقابلات لتفسيرها في لحظة يعيش فيها المعلمون التحول الرقمي فعلًا لا استرجاعًا بعيدًا، فجاءت سوابق الانفعالات موصولة بخبرات قريبة ملموسة من الفصول والمنصات والأدوات الرقمية المستخدمة يوميًا في التدريس الجامعي المعاصر ومتطلباته المتجددة ومتغيراته المتسارعة التي تفرض على المعلمين تكيفًا وجدانيًا ومهنيًا متواصلًا
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم خريطة دقيقة لانفعالات معلمي اللغة الإنجليزية في التحول الرقمي يتصدرها الفرح والحب وتتخللها مخاوف وحزن وغضب لها سوابق محددة، وتدعو إلى تنظيم وجداني ودعم مؤسسي يستثمر إيجابيات الرقمنة ويعالج مصادر الانفعالات السلبية لدى المعلمين








