تعد النوايا الخضراء لدى القادة عاملًا حاسمًا في تحفيز الإبداع الأخضر لدى الموظفين، إذ تتجه المؤسسات تحت ضغوط بيئية متصاعدة إلى قيادات تلهم سلوكيات صديقة للبيئة وتحول الاستدامة إلى ممارسة يومية، غير أن البحث في كيفية تأثير القيادة الواعية الخضراء في الإبداع الأخضر للموظفين ما زال شحيحًا، وبخاصة ما يتعلق بمسارات هذا التأثير وشروطه الحدية، ومن هنا تنهض هذه الدراسة ببناء نموذج وساطة متسلسلة يربط القيادة الواعية الخضراء بالإبداع الأخضر للموظفين عبر المرونة النفسية للموظفين وهوية الدور الأخضر لديهم، مع فحص الدور المعدل للرقمنة في مكان العمل، مستندة إلى نظريات معرفية اجتماعية وهوية دور وموارد ومحاولة تفسير كيف تنتقل توجهات القائد الخضراء إلى إبداع فعلي في سلوك الموظف
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر القيادة الواعية الخضراء في الإبداع الأخضر للموظفين ومساراته وشروطه الحدية، وطبقت نظرية المعرفة الاجتماعية ونظرية هوية الدور ونظرية حفظ الموارد لبناء نموذج وساطة متسلسلة تتوسط فيه المرونة النفسية للموظفين وهوية الدور الأخضر العلاقة بين القيادة والإبداع، مع اختبار الأثر المعدل للرقمنة في مكان العمل، وأجري مسح شمل ثلاثمئة وخمسة موظفين من مؤسسات رقمية خضراء، واختبر النموذج النظري باستخدام برامج التحليل الإحصائي وأساليب إعادة المعاينة لتقدير الآثار غير المباشرة والتحقق من دلالتها، وبذلك جمعت الدراسة بين إطار نظري متعدد العدسات واختبار ميداني كمي يتيح فصل الآثار المباشرة عن الآثار الوسيطة والمعدلة في العلاقة محل الفحص
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أولًا أن القيادة الواعية الخضراء تؤثر تأثيرًا إيجابيًا في الإبداع الأخضر للموظفين، وثانيًا أن المرونة النفسية للموظفين وهوية الدور الأخضر تتوسطان جزئيًا أثر القيادة الواعية الخضراء في الإبداع الأخضر، وثالثًا أن المرونة النفسية تعزز هوية الدور الأخضر وأن العاملين يعملان معًا وسيطًا متسلسلًا في العلاقة بين القيادة والإبداع، أي إن القيادة الخضراء تبني مرونة الموظف النفسية فتقوي بدورها إحساسه بهويته الخضراء فينعكس ذلك إبداعًا أخضر، ورابعًا أن الرقمنة في مكان العمل لا تؤدي دورًا معدلًا في أثر الإبداع عبر تعزيز هوية الدور الأخضر فحسب بل تعدل أيضًا علاقة الوساطة المتسلسلة ذاتها، بما يبرز الطبيعة التفاعلية بين البيئة الرقمية والعمليات النفسية والدورية للموظفين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة في ضوء نتائجها توصيات لتحسين الإبداع الأخضر للموظفين تساعد المؤسسات على الاستجابة للضغوط البيئية وتحقيق التطور الابتكاري، فتنمية القيادة الواعية بالبيئة لدى المديرين خطوة أولى، ودعم المرونة النفسية للموظفين وترسيخ هويتهم الخضراء مساران وسيطان لا غنى عنهما، وتوظيف الرقمنة في مكان العمل بما يخدم هذه الهوية شرط حدي يعزز الأثر أو يحد منه، وتدل الوساطة المتسلسلة على أن الأثر القيادي يتحول إلى إبداع عبر تحولات نفسية ودورية مترابطة لا عبر التوجيه المباشر وحده، وهو ما يوجه برامج تطوير القيادات وسياسات الموارد البشرية الخضراء في المؤسسات الرقمية المعاصرة
وتبرز النتائج منطقًا متكاملًا لإدارة الاستدامة داخل المؤسسات، فالقائد الواعي بيئيًا لا يصنع الإبداع الأخضر بأمر مباشر بل ببناء موارد نفسية لدى موظفيه تجعلهم أقدر على الصمود أمام ضغوط العمل وأوضح إحساسًا بأدوارهم الخضراء، ومن هذا الإحساس بالدور يتولد الإبداع الذي يترجم القيم البيئية إلى مبادرات ومنتجات وعمليات جديدة، وتأتي الرقمنة في مكان العمل لتعيد تشكيل قوة هذا المسار سلبًا أو إيجابًا بحسب كيفية توظيفها، بما يحذر من التعامل مع التحول الرقمي بوصفه محايدًا بيئيًا، وهكذا تقدم الدراسة للمؤسسات الرقمية الخضراء معادلة عملية تجمع بين اختيار القادة الواعين بيئيًا وتنمية مرونة الموظفين وهويتهم الخضراء وتصميم بيئات عمل رقمية داعمة، وهي معادلة قابلة للقياس والمتابعة بأدوات المسح ذاتها التي اختبرت النموذج في هذه الدراسة التطبيقية الميدانية
ومن زاوية نظرية تضيف الدراسة إلى أدبيات القيادة الخضراء تفصيلًا غائبًا حول كيفية انتقال أثر القائد إلى سلوك الموظف، إذ لم تكتف بإثبات وجود العلاقة بل فككت حلقاتها الوسيطة ورتبتها في تسلسل سببي متماسك تتحول فيه القيادة إلى موارد نفسية ثم إلى هوية دورية ثم إلى إبداع ظاهر في بيئة العمل الخضراء المعاصرة وسلوكيات موظفيها اليومية المتجددة باستمرار ودون انقطاع يذكر
وخلاصة القول إن الدراسة ترسم مسارًا واضحًا يربط القيادة الواعية الخضراء بالإبداع الأخضر للموظفين عبر المرونة النفسية وهوية الدور الأخضر في وساطة متسلسلة تعدلها رقمنة مكان العمل، بما يمنح المؤسسات خريطة عملية لتحويل النوايا الخضراء للقادة إلى إبداع بيئي فعلي لدى فرق العمل








