يحتل الاستماع موقعًا محوريًا في التعلم الأكاديمي وفي إعداد المعلمين، غير أن الاستماع الناجح لا يقوم على استقبال الأصوات فحسب، بل يتطلب أن يدير المتعلم عملياته المعرفية بوعي وأن يتخذ موقفًا ناقدًا مما يسمعه، ومن هنا تنبع أهمية دراسة العلاقات بين استراتيجيات الاستماع ما وراء المعرفية واتجاهات الاستماع الناقد ومهارات الاستماع الأكاديمي لدى المرشحين لمهنة التدريس، فهؤلاء سيحملون هذه المهارات إلى فصولهم مستقبلًا، وتسعى هذه الدراسة إلى تحديد التأثيرات النسبية والعلاقات التنبؤية بين هذه المتغيرات الثلاثة في إطار نموذج نظري متكامل يختبر كيف تتفاعل العمليات ما وراء المعرفية مع الاتجاهات الناقدة لتشكيل القدرة الفعلية على الاستماع الأكاديمي لدى الطلاب المعلمين في تركيا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التأكد من التأثيرات النسبية والعلاقات التنبؤية بين استراتيجيات الاستماع ما وراء المعرفية واتجاهات الاستماع الناقد ومهارات الاستماع الأكاديمي لدى المرشحين الأتراك لمهنة التدريس، واختير المشاركون بأسلوب العينة الملائمة لسهولة الوصول ولاعتبارات اقتصادية بما يناسب الحصول على عينة ممثلة من مجتمع متاح، وبلغ عددهم مئتين وثلاثة وعشرين مرشحًا للتدريس مسجلين في أربع جامعات خلال العام الدراسي الذي يبدأ بعام ألفين وواحد وعشرين وينتهي بعام ألفين واثنين وعشرين، منهم مئة وواحد وستون من الإناث واثنان وستون من الذكور، وبني نموذج نظري في ضوء مراجعة الأدبيات واختبرت العلاقات بين المتغيرات باستخدام نموذج المعادلة البنائية، وحسبت مؤشرات متعددة لحسن المطابقة للتحقق من ملاءمة البيانات للنموذج، وجمعت البيانات بثلاث أدوات هي مقياس اتجاه الاستماع الناقد ومقياس القدرة على الاستماع الأكاديمي وأداة استراتيجيات الاستماع ما وراء المعرفية، وحللت البيانات بتحليل الارتباط وتحليل المسار باستخدام برامج التحليل الإحصائي ونمذجة المعادلات البنائية
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى أن استراتيجيات الاستماع ما وراء المعرفية ترتبط ارتباطًا إيجابيًا دالًا بكل من اتجاهات الاستماع الناقد ومهارات الاستماع الأكاديمي، بما يعني أن المرشحين الأكثر وعيًا بعمليات استماعهم والأكثر تخطيطًا لها ومراقبة وتقويمًا يميلون إلى مواقف أكثر نقدية تجاه المسموع ويحققون أداء أفضل في الاستماع الأكاديمي، وأظهرت الدراسة كذلك أن استراتيجيات الاستماع ما وراء المعرفية تتنبأ بمهارات الاستماع الأكاديمي، وأن هذا التنبؤ يتحقق بوساطة اتجاهات الاستماع الناقد، أي إن أثر الاستراتيجيات في المهارة لا يسير في خط مباشر فقط بل يمر جزئيًا عبر تنمية الاتجاه الناقد الذي يعين المستمع على التمييز والتقويم أثناء الاستماع، وقد نوقشت هذه النتائج في سياق البحوث السابقة بما يدعم اتساقها مع ما استقر من أدلة حول مركزية الوعي ما وراء المعرفي في تعلم الاستماع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات عملية للعاملين في إعداد المعلمين، إذ لا يكفي تدريب المرشحين على مهارات الاستماع ذاتها بل يلزم تعليمهم كيف يخططون لاستماعهم ويراقبونه ويقومونه وكيف ينمون اتجاهًا ناقدًا تجاه النصوص المسموعة، وقدمت الدراسة بناء على ذلك توصيات للممارسين والباحثين وصناع السياسات العاملين في هذا المجال، فعلى مستوى الممارسة يمكن تضمين برامج إعداد المعلمين أنشطة صريحة في الاستراتيجيات ما وراء المعرفية، وعلى مستوى البحث تفتح الوساطة التي كشفتها الدراسة الباب لاختبار نماذج أوسع تشمل متغيرات إضافية، وعلى مستوى السياسات تدعم النتائج توجيه الاهتمام إلى الاستماع بوصفه مهارة أكاديمية قابلة للتنمية المنهجية لا قدرة تلقائية
وتكتسب الوساطة التي كشفتها الدراسة أهمية تطبيقية خاصة، فلو كان أثر الاستراتيجيات ما وراء المعرفية مباشرًا فقط لكفى التدريب عليها منفردة، أما وقد ظهر أن جزءًا من الأثر يمر عبر اتجاهات الاستماع الناقد فإن برامج الإعداد مدعوة إلى العمل على المسارين معًا، تنمية الوعي بالعمليات وتدريب الاتجاه الناقد الذي يدقق في المسموع ويميز حججه ويقوم مصادره، وبذلك يتحول الاستماع الأكاديمي من مهارة استقبال إلى ممارسة تفكير نشطة يحتاجها المعلم في فصله بقدر ما يحتاجها الطالب في محاضرته، وتبقى حدود الدراسة المتصلة بالعينة الملائمة وسياق الجامعات الأربع داعية إلى حذر في التعميم وإلى دراسات لاحقة بعينات أوسع وسياقات ثقافية مختلفة تختبر ثبات النموذج وقابلية العلاقات التي أثبتها للانتقال إلى بيئات إعداد معلمين أخرى قريبة وبعيدة على حد سواء في المستقبل القريب
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن طريق تنمية الاستماع الأكاديمي لدى المرشحين للتدريس يمر عبر الوعي ما وراء المعرفي والاتجاه الناقد معًا، فالاستراتيجيات ما وراء المعرفية تتنبأ بالمهارة وتعمل جزئيًا من خلال الاتجاهات الناقدة، وهو ما يجعل الجمع بين التدريب الاستراتيجي وتنمية الموقف الناقد أساسًا واعدًا لبرامج إعداد المعلمين








