يحظى موضوع التوازن بين العمل والحياة باهتمام متصاعد عالميًا، ويقال إن القادة الأكاديميين يعانون وضعًا متضررًا في هذا التوازن إذ يوفقون بين أدوار متعددة تنطوي على طيف واسع من العوامل الصعبة في بيئة عملهم وحياتهم، ويزداد الأمر مشقة في سياق البلدان النامية حيث يواجه القادة الأكاديميون ظروفًا مرهقة تتراوح بين نقص التمويل والتدخل السياسي، ومع ذلك تندر الدراسات التجريبية حول توازن العمل والحياة لدى القادة الأكاديميين في العالم النامي، وتنطلق هذه الدراسة لسد جزء من هذه الفجوة المعرفية عبر فحص أوضاع التوازن لدى قادة أكاديميين في جامعات حكومية إثيوبية وتقديم أدلة تجريبية من سياق قلّ تناوله
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مسح ظروف التوازن بين العمل والحياة لدى القادة الأكاديميين في بيئة الدراسة، وتقويم مستواه عبر أبعاده المختلفة، واعتمدت استبانة مقننة وزعت على القادة الأكاديميين، فجُمعت مائتان وخمس استبانات مكتملة من قادة أكاديميين في ثماني جامعات حكومية إثيوبية، واعتمد التحليل الوصفي على تحليل المتوسطات الحسابية لتقويم مستوى التوازن لدى هؤلاء القادة، وقد شملت أبعاد التوازن المدروسة زيادة عبء الأدوار وجودة الصحة ومسائل رعاية المعالين وإدارة الوقت وشبكات الدعم، بما أتاح صورة متعددة الجوانب لواقع يومي يجمع بين القيادة الجامعية والتدريس والبحث وخدمة المجتمع ومسؤوليات الأسرة في بيئة محدودة الموارد
ثانيًا: أبرز النتائج
وجدت الدراسة أن التوازن بين العمل والحياة لدى القادة الأكاديميين متضرر بشدة عبر جميع أبعاد التوازن التي استندت إليها، وهي زيادة عبء الأدوار وجودة الصحة ومسائل رعاية المعالين وإدارة الوقت وشبكات الدعم، فالقيادة الأكاديمية في هذا السياق تعني تراكم مهام متزامنة تتجاوز الطاقة المتاحة، وتنعكس في مؤشرات صحية متدنية وضغوط رعاية أسرية واسعة يصعب الوفاء بها، مع عجز عن إدارة الوقت بصورة متوازنة وضعف في شبكات الدعم المؤسسي والاجتماعي التي يمكن أن تخفف هذه الأعباء، وبذلك تقدم الدراسة توثيقًا تجريبيًا لواقع يعيشه القادة الأكاديميون في البلدان النامية، وتوسع موضوع التوازن بين العمل والحياة لدى القادة الأكاديميين إلى مناطق أقل استكشافًا في الأدبيات العالمية
ويزداد وضوح هذه الصورة حين تُقرأ أبعاد الاختلال في سياق العمل الجامعي بالبلدان منخفضة الموارد، فالقائد الأكاديمي هناك يجمع غالبًا بين المنصب الإداري والتدريس والإشراف والبحث واللجان وخدمة المجتمع المحلي، في ظل نقص في الكوادر المساندة والتمويل الذي يخفف الأعباء التشغيلية، وتتدخل العوامل السياسية أحيانًا في القرارات الجامعية فتضيف ضغطًا نفسيًا ومهنيًا غير متوقع، بينما تمتد مسؤوليات الرعاية الأسرية في مجتمعات ترابطية واسعة الأقارب والمعالين، ومع ضعف شبكات الدعم المؤسسية يجد القائد نفسه يمتص هذه الضغوط كلها بجسده ووقته وصحته، فيتحول الخلل في التوازن من شكوى فردية إلى سمة بنيوية في نمط القيادة ذاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إلى جانب إسهامها التجريبي مضامين عملية وإدارية واجتماعية، إذ تنبه إدارات الجامعات الحكومية في البيئات النامية إلى أن استنزاف قادتها الأكاديميين خطر مؤسسي لا مسألة فردية، وأن معالجته تستلزم إعادة توزيع الأعباء القيادية وتعزيز شبكات الدعم وتحسين ظروف الصحة ومراعاة مسؤوليات الرعاية الأسرية عند التكليف بالمهام، كما تفيد النتائج صنّاع سياسات التعليم العالي في تصميم برامج دعم قيادي تراعي خصوصية السياقات منخفضة الموارد، وتدعو الباحثين إلى دراسات مقارنة وطولية تتبع توازن القادة عبر الزمن وتربطه بمتغيرات الأداء المؤسسي والرضا المهني، بما يعمق فهم هذه الظاهرة في العالم النامي
وتدعو هذه النتائج إلى أجندة إصلاح عملية تبدأ من إعادة تصميم الأدوار القيادية ذاتها عبر تحديد مدد زمنية للمناصب وتوزيع أوسع للمهام وبناء قيادات صف ثانٍ مؤهلة، وتمر عبر خدمات دعم نفسي وصحي مؤسسية تنزع وصمة طلب المساعدة عن القادة، وتصل إلى سياسات موارد بشرية تراعي أعباء الرعاية وتتيح مرونة مدروسة في الحضور والاجتماعات، فاستدامة القيادة الجامعية شرط لجودة التعليم والبحث، وجامعات البلدان النامية أحوج ما تكون إلى قادة أصحاء متوازنين لأنها تبني قدراتها المؤسسية في ظروف أصعب وبموارد أقل من نظيراتها في العالم المتقدم
وخلاصة القول إن القادة الأكاديميين في الجامعات الحكومية الإثيوبية يعملون في ظل توازن مختل بشدة بين العمل والحياة عبر أبعاده جميعها، وإن توثيق هذا الواقع من سياق نامٍ يثري الأدبيات العالمية ويمنح الجامعات وصنّاع السياسات أساسًا تجريبيًا لتدخلات تحفظ صحة القادة واستدامة قيادتهم، فلا تنهض مؤسسات التعليم العالي بقادة مستنزفين أبدًا








