تعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بصورة مفصلة النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام والعمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق للجميع بموجب الهدف الثامن منها، وفي هذا الإطار يحظى رأس المال الفكري باهتمام متزايد بوصفه محركًا للنجاح المهني وبناء المسارات الوظيفية، غير أنه لم تجر حتى الآن أي مقارنة عبر الدول لدور رأس المال الفكري في النجاح المهني، وتفحص هذه الدراسة العلاقة بين رأس المال الفكري والنجاح المهني عبر قنوات عدم المساواة في الدخل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ست دول أوروبية مرتفعة التنمية البشرية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الصلة بين رأس المال الفكري والنجاح المهني عبر قنوات عدم المساواة في الدخل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلال الفترة من عام 1997 إلى عام 2018 لست دول من المنطقة الاقتصادية الأوروبية ذات مؤشر تنمية بشرية مرتفع، واستخدمت نموذج الانحدار الذاتي ذا الإبطاءات الموزعة بمتوسط المجموعة المدمج لاختبار العلاقات طويلة الأجل بين المتغيرات، كما أجرت اختبارات للسببية للوقوف على اتجاهات التأثير المتبادل بين رأس المال الفكري وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنجاح المهني عبر الزمن
وقد تناولت الدراسة قناتين وسيطتين لفهم كيفية تحول رأس المال الفكري إلى نجاح مهني، أولاهما قناة عدم المساواة في الدخل التي تصف البيئة التوزيعية التي يعمل فيها الأفراد ويتنافسون، وثانيتهما قناة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي تصف البنية المعرفية والتقنية المتاحة للوصول إلى الفرص وتطوير القدرات، واختيار ست دول من المنطقة الاقتصادية الأوروبية ذات التنمية البشرية المرتفعة وفر سياقًا مؤسسيًا متقدمًا نسبيًا لاختبار هذه العلاقات عبر أكثر من عقدين من الزمن، وهي مدة تسمح بملاحظة الآثار التراكمية البطيئة لرأس المال الفكري
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود علاقة موجبة وخطية بين رأس المال الفكري وعدم المساواة في الدخل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والنجاح المهني في الأجل الطويل، وكشف اختبار السببية عن سببية أحادية الاتجاه تجري من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى النجاح المهني وكذلك من رأس المال الفكري إلى النجاح المهني، بما يعني أن تراكم المعرفة والمهارات والقدرات والبنية التكنولوجية يسبق تحقق النجاح المهني ويقوده زمنيًا، لا أنه مجرد انعكاس مصاحب له أو نتيجة لاحقة لتراكم الدخول والمناصب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن رأس المال الفكري مهم للنجاح المهني، ومن ثم يحتاج صناع السياسات إلى الاستثمار في تطوير رأس المال الفكري وتحسينه لضمان نجاح مهني موضوعي بين المواطنين، كما تبرز القناة التكنولوجية مسارًا مكملًا إذ تعزز البنية المعلوماتية والاتصالية فرص الترقي والنجاح في سوق العمل المتغير، وتقدم الدراسة بهذا أول دليل مقارن عبر الدول يصلح أساسًا لسياسات التعليم والتدريب وسوق العمل في الاقتصادات المتقدمة وفي الاقتصادات الساعية إلى اللحاق بها على حد سواء
وتتصل نتائج الدراسة مباشرة بالهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالعمل اللائق والنمو الشامل، فإذا كان رأس المال الفكري يقود النجاح المهني سببيًا فإن الاستثمار العام والخاص في التعليم والتدريب وتنمية المهارات يتحول من إنفاق اجتماعي إلى استثمار إنتاجي بعوائد مهنية موثقة، كما أن الأثر المستقل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات يدعو إلى سد الفجوات الرقمية بوصفها فجوات في فرص الترقي ذاتها، وتقدم المقارنة عبر الدول الست مرجعًا يمكن للدول ذات المؤسسات الشبيهة أن تقيس عليه سياساتها وتتوقع عوائدها
ومن الملاحظات الجديرة بالتأمل أن العلاقة الموجبة بين عدم المساواة في الدخل والنجاح المهني في الأجل الطويل وردت ضمن حزمة متغيرات مترابطة لا عاملًا مستقلًا بمعزل عن رأس المال الفكري والتكنولوجيا، ومن ثم فإن قراءتها المنفردة قد تضلل صانع السياسة وتشوش أولوياته، فالرسالة الجوهرية للدراسة تبقى أن تراكم المعرفة والمهارات هو المحرك القابل للبناء والاستثمار المنهجي، بينما تعمل البيئة التوزيعية والتكنولوجية قنوات تنقل أثره إلى سوق العمل أو تعيقه، وهو تمييز دقيق تحرص الدراسة على إبرازه بتقنيات قياس سببية متقدمة
وخلاصة القول إن النجاح المهني في الدول المدروسة ثمرة طويلة الأجل لتراكم رأس المال الفكري وانتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في بيئة تتسم بقدر من عدم المساواة في الدخل، وإن السببية أحادية الاتجاه من هذين العاملين إلى النجاح المهني تمنح صناع السياسات مبررًا قويًا للاستثمار المبكر والمستمر في المعرفة والمهارات والبنية التكنولوجية بوصفها روافع مباشرة للعمل اللائق والترقي المهني








