كثيرًا ما تغفل سياسات الموارد المائية المنظورات القضائية أو يصعب فهم السياسة التي تدور خلف الكواليس فيها، فقرارات الماء تتخذ في شبكة معقدة من الأجهزة البيروقراطية المتنافسة على الصلاحيات والموارد والاعتراف المؤسسي، وتتخذ هذه الدراسة من إندونيسيا دراسة حالة لتفكيك هذه الشبكة وفهمها من الداخل، إذ جمعت كل الأجهزة البيروقراطية المرتبطة بالماء لتوليد قائمة بعناصر قضايا الموارد المائية، لتصبح إطارًا لترجمة ديناميات القوة المتمحورة حول الفاعلين وفهم كيفية صناعة قرارات إدارة الموارد المائية فعليًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم خريطة السياسة الخفية لبيروقراطيات الموارد المائية في إندونيسيا عبر توليف جميع الأجهزة المرتبطة بالماء وبناء قائمة بعناصر قضايا الموارد المائية لتكون إطارًا تحليليًا لديناميات القوة بين الفاعلين، واستندت البيانات إلى سياسات روجعت من عام 2014 إلى عام 2017 تزامنًا مع بداية إدارة رئاسية جديدة أبدت اهتمامًا متزايدًا بإدارة الموارد المائية، بما أتاح رصد كيفية توزع النفوذ بين الأجهزة المركزية والقطاعية والإقليمية في لحظة تشكل سياسي ومؤسسي مهمة
وقد جاءت فترة الدراسة من عام 2014 إلى عام 2017 دالة بذاتها، إذ شهدت بداية إدارة رئاسية جديدة رفعت إدارة الموارد المائية إلى صدارة اهتماماتها، فاشتد بذلك التنافس البيروقراطي على هذا الملف الحيوي وتكشفت التحالفات والمنازعات بصورة أوضح مما تكون عليه في الأوقات العادية، وبناء قائمة عناصر قضايا الموارد المائية من توليف كل الأجهزة المرتبطة بالماء أتاح للدراسة أن ترى المنظومة كاملة بدل الاكتفاء بجهاز واحد، وأن تترجم ديناميات القوة المتمحورة حول الفاعلين إلى خريطة قابلة للقراءة والمقارنة
ثانيًا: أبرز النتائج
وجدت الدراسة أن الأجهزة البيروقراطية المركزية المعنية بالتنسيق والتخطيط تمتلك أقوى قوة شبكية في منظومة الماء، غير أن جهازين قطاعيين يتمتعان بنفوذ هائل في توجيه إدارة الموارد المائية في ظل ظروف سياسة شديدة التجزؤ، فمن جهة تؤثر وزارة البيئة والغابات في الموارد المائية من خلال اختصاصها في إدارة الأراضي وتسعى إلى توسيع قوتها البيروقراطية إلى ما وراء حدود غابات الدولة عبر مفهوم مستجمعات المياه، ومن جهة أخرى تحتفظ وزارة الأشغال العامة والإسكان باختصاصها التقليدي في إدارة أحواض الأنهار مستخدمة ميزانيات وشبكات واسعة للتحكم في المعلومات وتحديد كيفية صرف مخصصات المشروعات، وبينما تشكل هاتان الوزارتان التحالفات المديرة للموارد المائية تنكسر مسؤولياتهما المفوضة أيضًا نحو الأجهزة الإقليمية فتتشكل مجموعة جديدة من المنازعات دون الوطنية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف النتائج أن إدارة الموارد المائية في إندونيسيا ليست عملية فنية محايدة بل ميدان تنازع بيروقراطي على الصلاحيات والمعلومات والميزانيات، وهو ما يفيد صناع السياسات في أن أي إصلاح لحوكمة الماء يجب أن يعالج تداخل الاختصاصات بين وزارتي البيئة والغابات والأشغال العامة والإسكان وأن ينتبه إلى الانعكاسات الإقليمية لتفويض المسؤوليات، كما يقدم إطار عناصر القضايا أداة تحليلية قابلة للنقل إلى سياقات أخرى لرصد تحالفات الفاعلين وقوتهم الشبكية في قطاعات الموارد الطبيعية والخدمات العامة
ومن الدروس المستفادة أن قوة الأجهزة لا تقاس باختصاصاتها الرسمية المعلنة وحدها، فالأجهزة المركزية للتنسيق والتخطيط تستمد قوتها من موقعها الشبكي الذي يربط الجميع، بينما تستمد الوزارات القطاعية قوتها من الأصول التي تملكها كالأراضي والميزانيات الضخمة وشبكات العلاقات وقدرتها على التحكم في المعلومات وتوجيه صرف المخصصات، وأن تفويض المسؤوليات إلى المستويات الإقليمية لا ينهي المنازعات المركزية بل يعيد إنتاجها في ساحات دون وطنية جديدة بأنماط مختلفة، وهو ما يجب أن تحسب له خطط إصلاح الحوكمة حسابًا مبكرًا
كما يبرز من وقائع الدراسة أن مفهوم مستجمعات المياه ذاته تحول إلى أداة توسع بيروقراطي، فحين تعرفه وزارة البيئة والغابات مدخلًا لاختصاصها تتسع سلطتها إلى أراض لم تكن داخلة في ولايتها التقليدية، في حين يرسخ الارتكاز على أحواض الأنهار موقع وزارة الأشغال العامة والإسكان التاريخي في إدارة الماء، وهكذا تصبح المفاهيم الفنية ساحات صراع على الولاية المؤسسية، ويفسر هذا لماذا يصعب على المراقب الخارجي فهم سياسة الماء من النصوص الرسمية وحدها دون تتبع تحالفات الفاعلين ومواردهم وشبكاتهم
وخلاصة القول إن خريطة القوة في بيروقراطيات الماء الإندونيسية تجمع بين مركز تنسيقي قوي الشبكة وجهازين قطاعيين متنافسين على الأرض والأحواض معًا، وإن فهم هذه الديناميات الخفية شرط لأي إصلاح جاد لحوكمة الموارد المائية، إذ لا تنجح السياسات المائية ما لم تحسب حساب التحالفات والمنازعات التي تصنعها وتعيد تشكيلها خلف الكواليس باستمرار








