تؤدي منصات العمل عبر الإنترنت في اقتصاد المشاركة دورًا حاسمًا في الجمع بين العاملين المستقلين وأصحاب العمل المحتملين، فهي سوق رقمية واسعة يتنافس فيها المستقلون من بلدان متعددة على فرص عمل متنوعة، ومع ذلك لا تزال المعرفة محدودة بكيفية تأثير خصائص العاملين المستقلين في احتمالية توظيفهم من قبل أصحاب العمل، إذ تتداخل في قرار التوظيف عوامل تتجاوز المهارة والخبرة إلى بلد الإقامة ومستوى الدخل والمدة المنقضية على التسجيل في المنصة، وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة مستندة إلى نظرية التوافق بين الشخص والبيئة إطارًا عامًا، ولفحص ما إذا كانت هذه الخصائص مرتبطة بقرار التوظيف وكيف يتغير هذا الارتباط عبر الزمن، بما يقدم فهمًا أعمق لديناميات سوق العمل الحر الرقمي وآليات الاختيار فيه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر خصائص العاملين المستقلين في احتمالية توظيفهم على منصات العمل عبر الإنترنت، واعتمدت على بيانات منصة فريلانسر للعمل الحر، متناولة متغيرات بلد إقامة العامل المستقل وبلد إقامة صاحب العمل والمبلغ المكتسب والمدة المنقضية منذ التسجيل في المنصة، واختبرت الدراسة تفاعلات هذه المتغيرات مع قرار التوظيف، بما في ذلك ما إذا كانت مدة البقاء في المنصة تؤثر في العلاقة بين مستوى الدخل واحتمالية التوظيف، واستند التحليل إلى بيانات واقعية من نشاط المنصة وليس إلى تصورات ذاتية، ما منح النتائج قوة وصفية عن سلوك أصحاب العمل الفعلي عند المفاضلة بين المرشحين المستقلين المتاحين أمامهم في بيئة رقمية تنافسية عابرة للحدود
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن بلد الإقامة عامل مؤثر بوضوح في قرار التوظيف، إذ يميل أصحاب العمل إلى توظيف العاملين المستقلين المنتمين إلى البلد نفسه الذي ينتمون إليه بدرجة أكبر من غيرهم، كما تبين أن العاملين المستقلين ذوي الدخل المرتفع أقل احتمالية للتوظيف مقارنة بغيرهم، بما يشير إلى حساسية أصحاب العمل لكلفة التوظيف، وتبين كذلك أن طول مدة الوجود على المنصة يؤثر في العلاقة بين مستوى الدخل واحتمالية التوظيف، فتتغير هذه العلاقة مع تراكم خبرة المستقل وحضوره على المنصة، وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن قرار التوظيف في المنصات الرقمية لا تحكمه الكفاءة وحدها، بل تتداخل فيه عوامل الانتماء الجغرافي والتسعير وسجل الحضور، ما يخلق مزايا وتحديات متفاوتة بين المستقلين بحسب مواقعهم وملفاتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو نتائج الدراسة إلى بذل جهود أكبر لإزالة عدم تماثل المعلومات بين العاملين المستقلين وأصحاب العمل، وتوفير فرص أوسع للطرفين، إذ ينبغي تشجيع مشغلي منصات العمل عبر الإنترنت على عرض معلومات عن العاملين المستقلين تتعلق ببلد المنشأ إلى جانب التقييمات والآراء والأجور المكتسبة في فئة المهارة نفسها، بما يتيح مقارنات أعدل وأدق بين المرشحين، وتحمل هذه النتائج دلالات إستراتيجية لرواد الأعمال المستقلين حول كيفية تقديم أنفسهم وتسعير خدماتهم وبناء حضورهم على منصات اقتصاد المشاركة، كما تفيد أصحاب العمل في بناء قرارات توظيف أكثر وعيًا بالعوامل الخفية التي تؤثر في اختياراتهم، وتفيد صانعي السياسات في فهم أنماط التمييز الجغرافي المحتمل في أسواق العمل الرقمية العالمية والعمل على تخفيفه
وتزداد أهمية هذه النتائج مع النمو المتسارع لمنصات العمل الحر التي باتت سوق عمل عالمية يعمل فيها ملايين المستقلين عبر الحدود، إذ تتشكل فيها أنماط جديدة من المزايا غير المتكافئة لا ترتبط بالمهارة وحدها، فالمستقل القادم من بلد صاحب العمل نفسه يتمتع بفرصة أعلى لمجرد هذا التشابه، بينما يعاقب المستقل مرتفع الأجر رغم أن ارتفاع أجره قد يعكس خبرة أعمق، ويعني ذلك أن بناء ملف مهني ناجح على هذه المنصات يتطلب إدارة واعية لعناصر مثل التسعير التدريجي وبناء التقييمات والحضور المستمر، كما يتطلب من المنصات ذاتها مراجعة كيفية عرض المعلومات وترتيب المرشحين بما يقلل الانحيازات غير المرتبطة بالكفاءة ويجعل المنافسة أكثر إنصافًا للموهبة أينما كانت
وخلاصة القول إن توظيف المستقلين عبر المنصات الرقمية يتأثر ببلد الإقامة والدخل ومدة الحضور على المنصة بقدر ما يتأثر بالمهارة، فتشابه البلد يرفع فرص التوظيف وارتفاع الدخل يخفضها وتتغير المعادلة مع طول البقاء، ومن هنا فإن شفافية المعلومات على المنصات ووعي المستقلين بهذه العوامل شرطان لبناء سوق عمل حر رقمي أكثر عدالة وكفاءة للطرفين معًا








