تحتل المنافسة موقعًا محوريًا في العلم، وتنظر إليها مؤسسات التعليم العالي والدولة بوصفها حافزًا لإنتاج المخرجات العلمية، ومع ندرة الموارد المالية يتزايد دور التمويل الخارجي من أطراف ثالثة في دعم البحث العلمي بالجامعات، غير أن هذا السباق نحو المنح المرغوبة لا يخلو من جوانب سلبية، فقد يؤدي إلى فقدان الكفاءة حين تستهلك الجامعات موارد شحيحة في إعداد طلبات تمويل لا تثمر، وتتجه هذه الدراسة إلى تطوير النقاش العلمي حول منافسة المنح بتقديم نموذج نظري يساعد على فهم العوامل الحاسمة المؤثرة في الرفاه الكلي الناتج عن هذه المنافسة، بحيث يمكن لصانعي السياسات ومديري الجامعات الموازنة بين مكاسب المنافسة وأعبائها على أسس مدروسة لا انطباعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج نظري لمنافسة المنح بين الجامعات يستند إلى منطق السعي وراء الريع، بحيث يفسر كيفية تفاعل الجامعات في سباق الحصول على التمويل الخارجي وما يترتب على ذلك من آثار في الرفاه العام، واعتمدت الدراسة المنهج النظري التحليلي في بناء النموذج واشتقاق نتائجه، مركزة على ثلاثة عوامل حاسمة هي مدى الزيادة في إنتاجية البحث المستقل التي تحفزها منافسة المنح، وحجم النفقات الإدارية المصاحبة لعمليات التقدم والإدارة، وإنتاجية البحث الممول من المنحة ذاتها، ومن خلال هذا النموذج فحصت الدراسة الشروط التي تجعل المنافسة منتجة للرفاه والشروط التي تجعلها مستنزفة له، كما ناقشت الآثار الجانبية غير المرغوبة التي قد تولدها إجراءات المنح مثل أثر تراكم المزايا لدى الجامعات الأقوى وأثر الاعتماد على المسار السابق
ثانيًا: أبرز النتائج
خلص النموذج إلى أن أثر منافسة المنح في الرفاه الكلي ليس إيجابيًا ولا سلبيًا على إطلاقه، بل يتوقف على العوامل الثلاثة الحاسمة مجتمعة، فكلما ازدادت إنتاجية البحث المستقل التي تحفزها المنافسة وارتفعت إنتاجية البحث الممول بالمنح ازدادت المكاسب، في حين تنتقص النفقات الإدارية المرتفعة من هذه المكاسب وقد تقلب النتيجة إلى خسارة صافية، وتبين أيضًا أن إجراءات المنح قد تولد أثر تراكم المزايا حيث تحصد الجامعات الأنجح مزيدًا من النجاح، وأثر الاعتماد على المسار حيث يصعب تغيير مواقع الجامعات عبر الزمن، وهما أثران ينبغي تجنبهما عند تصميم الإجراءات حتى لا تتحول المنافسة إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوت بدل تحفيز الجودة والإبداع في البحث العلمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل الدلالة العملية الأبرز للدراسة في أن على صانعي السياسات ومديري الجامعات النظر بعناية في الوضع الخاص لكل جامعة قبل استثمار الموارد الشحيحة في التقدم إلى المنح، فليست كل منافسة جديرة بخوضها، كما ينبغي تصميم إجراءات المنح بحيث تتجنب أثر تراكم المزايا وأثر الاعتماد على المسار، بما يحفظ للمنافسة وظيفتها التحفيزية دون أن تتحول إلى عبء إداري أو مصدر تفاوت مزمن، ويفيد هذا الإطار النظري إدارات الجامعات في تقويم جدوى المشاركة في سباقات التمويل، وفي توجيه مواردها نحو الفرص التي ترجح فيها المكاسب البحثية على الكلف الإدارية، كما يفيد الجهات المانحة في بناء معايير وإجراءات أكثر عدالة وكفاءة في توزيع التمويل البحثي
ويضيف النموذج المقدم في الدراسة قيمة تحليلية لأنه يربط بين قرار الجامعة الفردية في خوض منافسة المنح وبين النتيجة الجماعية على مستوى النظام الجامعي كله، فما يبدو رشيدًا لجامعة واحدة قد يفضي جماعيًا إلى هدر واسع إذا تسابق الجميع على فرص محدودة وأنفقوا موارد كبيرة في طلبات لا تنجح، كما يلفت النموذج الانتباه إلى أن كفاءة البحث الممول لا تنفصل عن كلفة الحصول على التمويل ذاته، فالمنحة الضخمة التي تستهلك إدارتها جهدًا كبيرًا قد تكون أقل جدوى من تمويل أصغر أخف إدارة، ومن هذه الزاوية يقدم النموذج أداة تفكير منهجية تساعد متخذ القرار على طرح الأسئلة الصحيحة قبل الدخول في أي سباق تمويلي جديد
وخلاصة القول إن منافسة المنح سلاح ذو حدين، فهي قد تحفز إنتاجية البحث المستقل وترفع إنتاجية البحث الممول، لكنها قد تستنزف الموارد في نفقات إدارية وتكرس مزايا الجامعات الأقوى، ويظل العامل الحاسم هو الموازنة الواعية في كل جامعة بين المكاسب المتوقعة والكلف المصاحبة، مع تصميم إجراءات منح تتجنب تراكم المزايا والاعتماد على المسار، وبذلك تتحول المنافسة من سباق مرهق إلى أداة رشيدة لرفع كفاءة البحث العلمي








