تحولت الكلمة المنطوقة التقليدية مع التطور السريع للشبكات الرقمية وتقنيات الاتصال إلى كلمة منطوقة إلكترونية تنتشر عبر التقييمات والتعليقات، وأصبحت تؤدي دورًا محوريًا في تحسين إدارة سياحة المدن القديمة وجودة خدماتها، إذ تعكس تجارب السياح الحقيقية وتصوراتهم بصورة مباشرة يصعب على الإعلان تحقيقها، وتزخر جنوب الصين بمدن قديمة عريقة تجذب أعدادًا كبيرة من الزوار وتتنافس على رضاهم، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى بناء إطار تقييمي شامل للكلمة المنطوقة إلكترونيًا وتطبيقه على أبرز المدن القديمة في جنوب الصين لاستخلاص رؤى معمقة حول تصورات السياح
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم الكلمة المنطوقة إلكترونيًا لسياحة المدن القديمة في جنوب الصين واستخلاص دلالاتها الإدارية، وقد استخدمت تقنيات كشط الويب بلغة بايثون لجمع بيانات الكلمة المنطوقة إلكترونيًا من أفضل عشر مدن قديمة في جنوب الصين، وبَنت إطارًا تقييميًا شاملًا يوظف تحليل الأهمية والأداء وعملية التحليل الهرمي وتردد المصطلح ومعكوس تردد الوثيقة والتحليل العنقودي، وطُبق الإطار لإجراء تحليل تردد الكلمات وتحليل المشاعر ونمذجة الموضوعات وتحليل التقييمات، بما أتاح صورة متعددة الأبعاد عن تصورات السياح واتجاهاتهم نحو هذه الوجهات التراثية
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن البنية التحتية للنقل تتفاوت تفاوتًا كبيرًا بين المدن، إذ تعاني هيشون وهوانغياو من ضعف إمكانية الوصول، بينما تستفيد بقية المدن من شبكة النقل المتطورة لدلتا نهر اليانغتسي، كما تبين أن حجم الكلمة المنطوقة إلكترونيًا يتأثر بقوة بالأنماط الموسمية وقد تأثر بشكل ملحوظ بجائحة كورونا، وعبّر معظم السياح عن مشاعر إيجابية نحو المدن القديمة مع تركيز على المرافق المتاحة، بينما ارتبطت أعلى مستويات رضاهم بالمناظر الطبيعية الخلابة، وأشار التحليل الشامل إلى أن ووتشن وشيدي وهونغتسون هي الوجهات السياحية الأكثر شعبية، بينما أظهرت تشوجياجياو وهوانغياو وتشوشوانغ ونانشون مستويات أدنى من الاهتمام ورضا الزوار معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة لإدارات المدن القديمة والهيئات السياحية خريطة عملية للأولويات، فالمدن ضعيفة الوصول تحتاج إلى تحسين الربط بالنقل لرفع تنافسيتها، والمدن منخفضة الرضا مدعوة إلى معالجة أوجه القصور في المرافق والخدمات مع الحفاظ على مقوماتها الطبيعية التي تشكل أعلى مصادر الرضا، كما يتيح الإطار التقييمي المقترح أداة قابلة للتكرار لرصد تطور الكلمة المنطوقة إلكترونيًا عبر المواسم والأزمات وبناء قرارات التسويق على أدلة بيانات ضخمة حقيقية، وتسهم الدراسة في أدبيات التسويق السياحي وتحليل بيانات التقييمات بأسلوب منهجي متكامل يجمع بين أدوات كمية متعددة
ويمنح تعدد الأدوات في الإطار التقييمي النتائج عمقًا يتجاوز التقييمات السطحية، فتردد الكلمات يكشف ما يتحدث عنه السياح فعلًا، وتحليل المشاعر يرصد اتجاه وجدانهم العام، ونمذجة الموضوعات تستخرج محاور التجربة الكامنة في آلاف التعليقات، وتحليل التقييمات يربط ذلك كله بأحكام رضا كمية، بينما يقارن تحليل الأهمية والأداء بين ما يهم السياح وما يجدونه فعليًا، وتزن عملية التحليل الهرمي عناصر التقييم بأوزان منهجية، فتتكامل الصورة بين الوصف والتفسير والأولويات، ومن اللافت أن تركيز السياح في تعليقاتهم على المرافق المتاحة لم يمنع أن تكون المناظر الطبيعية هي مصدر رضاهم الأعلى، وهو فصل دقيق بين ما يشغل الحديث وما يصنع الرضا ينبغي أن تنتبه له الإدارات كي لا تنخدع بضجيج الشكاوى عن الخدمات فتهمل أصل الجاذبية الطبيعي، كما أن تأثر حجم الكلمة المنطوقة بالمواسم والجائحة يجعل رصدها مؤشرًا حيًا على تعافي الوجهات ونبض الطلب، وتصلح البنية المنهجية ذاتها للتطبيق على وجهات تراثية عربية غنية بالتعليقات الرقمية، بما يفتح مسارًا بحثيًا وتطبيقيًا واعدًا في التسويق السياحي القائم على البيانات، ويضاف إلى ما سبق أن اعتماد الدراسة على تعليقات الويب الفعلية يجعل بياناتها تعبيرًا طبيعيًا عن تجارب السياح غير الموجهة بأسئلة باحث، فيلتقط البحث ما يهم الزوار فعلًا لا ما يفترض الباحثون أهميته، وهي ميزة تدعم صدق الأولويات العملية التي يخرج بها الإطار التقييمي المقترح
وخلاصة القول أن الكلمة المنطوقة إلكترونيًا تكشف تفاوتًا واضحًا بين المدن القديمة في جنوب الصين من حيث إمكانية الوصول والشعبية ورضا السياح، وأن المناظر الطبيعية تتصدر مصادر الرضا بينما تحتاج بعض المدن إلى تطوير النقل والمرافق، ويقدم الإطار التقييمي الشامل الذي بنته الدراسة نموذجًا عمليًا يمكن إدارات الوجهات التراثية من تحويل تعليقات الزوار وتقييماتهم إلى قرارات تطوير وتسويق مستنيرة








