أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي فضاءً رئيسًا لبناء العلاقات وصيانتها، وأثار انتشارها سؤالًا بحثيًا حول كيفية تحول استخدام هذه المواقع إلى رأس مال اجتماعي عبر الإنترنت بصورتيه الترابطي الذي يعمق الروابط الوثيقة والتجسيري الذي يوسع شبكات المعارف المتنوعة، ومعظم الدراسات السابقة ركزت على منصة واحدة غالبًا هي فيسبوك، وقلما قارنت بين منصات مختلفة الطابع كمنصة مهنية وأخرى اجتماعية، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى فهم كيفية نشوء رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت من استخدام مواقع التواصل، وإلى فحص ما إذا كانت هذه العملية تختلف باختلاف نوع المنصة أو تبقى موحدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية قيام استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بتكوين رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت مع اعتبار نوعين مختلفين من هذه المواقع هما لينكد إن وفيسبوك، وفحص ما إذا كانت العملية تتفاوت بين المنصات أو تظل موحدة، كما هدفت إلى التحقق من صدق مقياسين بارزين هما مقياس شدة استخدام فيسبوك ومقياس رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت وثباتهما، وقد وُزعت استبانة منظمة عبر منصات تواصل اجتماعية متنوعة فتجمعت ثلاثمئة وتسع وعشرون استجابة صالحة، منها مئة وسبع وستون من مستخدمي لينكد إن ومئة واثنتان وستون من مستخدمي فيسبوك، وطُبقت نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية لتحليل العلاقات وتحليل التعديل لاختبار دور نوع المنصة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يقود إلى تكوين رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت بصورتيه الترابطية والتجسيرية معًا، وذلك في كلا نوعي المواقع المدروسة، كما بينت نتائج تحليل التعديل أن نوع منصة التواصل لا يؤثر في العلاقة بين شدة استخدام الموقع ورأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت، بما يعني أن رأس مال المستخدمين الاجتماعي يعتمد على كيفية استخدامهم للموقع وشدة انخراطهم فيه لا على المنصة ذاتها، وهي نتيجة توسع فهم نظرية رأس المال الاجتماعي في مجال التواصل الشبكي وتؤكد قابلية تطبيقها عبر منصات متباينة الأغراض
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
لنتائج الدراسة انعكاسات عملية وأكاديمية، فهي تقدم رؤى جديدة حول الاستخدام والشدة ورأس المال الاجتماعي تفيد الأغراض التجارية والتسويقية، إذ تستطيع المنشآت تصميم حضورها الرقمي بما يعزز روابط عملائها ومجتمعاتهم حول علاماتها بدلًا من الرهان على منصة بعينها، أما أكاديميًا فتسهم الدراسة في سد ندرة الدراسات التي تناولت مواقع تواصل غير فيسبوك وقارنت بين منصتين، كما تدعم نظرية رأس المال الاجتماعي في مجال التواصل عبر الإنترنت بأدلة تجريبية، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تتناول منصات أخرى وسياقات ثقافية مختلفة وعوامل وسيطة إضافية
وتتعمق دلالة النتائج حين نفرق بين صورتي رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت، فالصورة الترابطية تعبر عن تعميق الروابط الوثيقة مع الأقارب والأصدقاء المقربين وما توفره من دعم وجداني واجتماعي، بينما تعبر الصورة التجسيرية عن توسيع شبكات العلاقات المتنوعة مع معارف متبايني الخلفيات وما تفتحه من فرص معلوماتية ومهنية، وأن يقود استخدام لينكد إن وفيسبوك معًا إلى الصورتين يعني أن المنصة المهنية لا تقتصر على التجسير ولا الاجتماعية على الترابط، بل تتشكل النتائج بحسب أنماط الاستخدام الفعلية، كما أن تحقق الدراسة من مقياسي شدة استخدام فيسبوك ورأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت يمنح الباحثين اللاحقين أدوات مجربة الصدق والثبات يمكن توظيفها في سياقات أخرى، ويعالج البحث فجوة واضحة في الأدبيات التي انحازت لدراسة فيسبوك منفردًا فأغفلت المقارنة بين منصات مختلفة الطبيعة والأغراض، وتتجاوز القيمة العملية النتائج الأكاديمية إلى المسوقين ومديري المجتمعات الرقمية الذين يستطيعون الآن توجيه جهودهم نحو تعزيز شدة الانخراط وجودة التفاعل بدل تبديد الموارد في المقارنة بين منصات لا يصنع نوعها فارقًا مثبتًا، كما أن شمول العينة لمستخدمي المنصتين معًا بأعداد متقاربة أتاح مقارنة متوازنة لا تنحاز لمنصة أكبر حجمًا، وعزز ذلك صدق الاستنتاج القائل بغياب أثر نوع المنصة في العلاقة المدروسة
وخلاصة القول أن شدة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تبني رأس المال الاجتماعي عبر الإنترنت بصورتيه الترابطية والتجسيرية على منصتي لينكد إن وفيسبوك معًا، وأن نوع المنصة لا يعدِّل هذه العلاقة، فالعامل الحاسم هو كيفية استخدام الأفراد للموقع ودرجة انخراطهم فيه، وهو ما يجعل الدراسة مرجعًا مفيدًا للباحثين في الإعلام الرقمي وللممارسين في التسويق وإدارة المجتمعات الافتراضية








