تشهد صناعة الألعاب الرقمية نموًا سريعًا وتصاعدًا لافتًا في شعبية الرياضات الإلكترونية، وهو ما أفرز حاجة إلى أدوات قياس علمية ترصد سلوكيات الاستهلاك لدى لاعبي هذه الرياضات ومتابعيها رصدًا دقيقًا، إذ يمثل فهم أبعاد هذا الاستهلاك مدخلًا لفهم الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لصناعة الألعاب الرقمية المتنامية، وتأتي هذه الدراسة لتطوير مقياس لتقييم سلوك استهلاك الرياضات الإلكترونية والتحقق من خصائصه، مستعينة بمنهج مختلط يجمع بين البيانات النوعية والكمية، بحيث تُبنى فقرات المقياس من خبرات اللاعبين المحترفين أنفسهم ثم تُختبر على عينة أوسع من اللاعبين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير مقياس تقييم سلوك استهلاك الرياضات الإلكترونية ليكون أداة لقياس اتجاهات الاستهلاك لدى مستهلكي الرياضات الإلكترونية، ورصد أبعاد هذا الاستهلاك في ثلاثة أبعاد رئيسة هي بعد المتعة والبعد النفعي وبعد الرفاهية أو الترف، وقد جُمعت البيانات النوعية عبر مقابلات معمقة مع اثني عشر لاعبًا محترفًا في الرياضات الإلكترونية، بينما جُمعت البيانات الكمية من ثلاثمائة وأربعة عشر لاعبًا باستخدام المقياس المطوّر حديثًا، فتكاملت مرحلتا المنهج المختلط بحيث أمدّت المقابلات المقياس بمضمون واقعي مستمد من الممارسة الفعلية، ثم جاء التطبيق الكمي ليختبر بنية المقياس وصلاحيته للقياس على نطاق أوسع
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن المقياس المطوّر يلتقط أبعاد استهلاك الرياضات الإلكترونية الثلاثة، وهي المتعة والمنفعة والترف، بما يعكس تنوع دوافع اللاعبين بين الاستمتاع باللعب وتحقيق فوائد عملية والإنفاق على مظاهر التميز داخل اللعبة، كما أظهرت النتائج أن الألعاب الرقمية تعزز الروابط الاجتماعية بين اللاعبين وتنمي مهارات حل المشكلات والتفكير الاستراتيجي لديهم، وعلى الصعيد الاقتصادي تبيّن أن إنفاق لاعبي الرياضات الإلكترونية داخل الألعاب يسهم إسهامًا كبيرًا في نمو الصناعة، وبذلك يقدم المقياس تقييمًا شاملًا يدعم اتخاذ القرار الاستراتيجي في قطاع الألعاب الرقمية، ويبرز بوصفه أداة تقييم ذات قيمة للبحوث والتطبيقات المستقبلية في هذا المجال سريع التطور
ويمنح التمييز بين الأبعاد الثلاثة للمقياس الباحثين قدرة على تشخيص أنماط استهلاك متباينة بين اللاعبين، فبعضهم يقصد اللعب طلبًا للمتعة والاندماج الاجتماعي، وبعضهم يوظفه وسيلة نفعية لتطوير مهاراته أو بناء حضور مهني في قطاع متنامٍ، وبعضهم يستهلك مظاهر الترف داخل اللعبة كالمقتنيات النادرة والمظاهر الحصرية تعبيرًا عن المكانة والتميز، ومعرفة نمط كل فئة تساعد مطوري الألعاب ومنظمي البطولات على تصميم تجارب ومنتجات ملائمة، كما تساعد الباحثين على دراسة العلاقة بين هذه الأنماط ومتغيرات أخرى كالولاء والإنفاق والانخراط المجتمعي في بيئات اللعب التنافسي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة الدراسة في أنها تمنح الباحثين والممارسين أداة مقننة لقياس ظاهرة استهلاكية حديثة لم تكن تتوافر لها أدوات عربية أو دولية كافية، إذ يمكن توظيف المقياس في بحوث سلوك المستهلك الرقمي وفي دراسات تسويق الرياضات الإلكترونية، كما تستفيد منه المنشآت العاملة في القطاع عند تصميم عروضها وخدماتها داخل الألعاب بما يلائم دوافع اللاعبين المختلفة، سواء أكانت دوافع متعة أم منفعة أم ترفًا، وتشجع الدراسة كذلك على مزيد من البحوث التي تطبق المقياس في سياقات ثقافية وعمريّة متنوعة للتحقق من استقرار أبعاده، وربطه بمتغيرات أخرى مثل الولاء للعبة أو النية الشرائية
ومن زاوية أوسع يعكس تطوير هذا المقياس تحول الرياضات الإلكترونية من نشاط ترفيهي هامشي إلى منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة تستحق أدوات قياس رصينة، إذ تتقاطع فيها أبعاد الترفيه والتقنية والتسويق وعلم النفس الاستهلاكي، ويتيح توافر مقياس مقنن إجراء مقارنات بين بلدان وفئات عمرية وأنماط ألعاب مختلفة، ودراسة تطور سلوكيات الاستهلاك عبر الزمن مع نضج الصناعة، كما يدعم صانعي السياسات والجهات المنظمة ببيانات موثوقة عند وضع أطر تنظيمية لهذا القطاع الواعد، ولا سيما ما يتصل بحماية المستهلكين الشباب وترشيد إنفاقهم داخل الألعاب، وبناء برامج توعية رقمية تساعدهم على الموازنة بين الاستمتاع بالممارسة التنافسية وبين مسؤولياتهم الدراسية والاجتماعية والصحية
وخلاصة القول إن تطوير مقياس سلوك استهلاك الرياضات الإلكترونية والتحقق منه بمنهج مختلط يمثل إسهامًا منهجيًا وتطبيقيًا في فهم صناعة متنامية، إذ يجمع المقياس بين المتعة والمنفعة والترف في بنية واحدة، ويوثق في الوقت ذاته الآثار الاجتماعية والمعرفية والاقتصادية للألعاب الرقمية، بما يجعله نقطة انطلاق لبحوث أعمق في سلوك المستهلك داخل البيئات الرقمية التفاعلية








