تواجه الصين تحدي شيخوخة السكان وما يترتب عليه من ضغوط على منظومة المعاشات التقاعدية، وقد استجابت لذلك بتنفيذ سياسة الإرجاء الضريبي الفردي وسياسة تخصيص رأس المال المملوك للدولة، كما تخطط لرفع سن التقاعد، وتتناول هذه الدراسة هذه السياسات الثلاث مجتمعة لتبحث أثرها في المعدل الكلي لاستبدال منافع المعاشات، وهو المعدل الذي يعبر عن نسبة المنفعة التقاعدية إلى الدخل السابق للتقاعد، وتقدم الدراسة إطارًا تحليليًا يجمع بين السياسات الثلاث في نموذج واحد، بما يتيح فهم تفاعلاتها المشتركة بدل النظر إلى كل سياسة بمعزل عن الأخرى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث أثر سياسة الإرجاء الضريبي الفردي وتخصيص رأس المال المملوك للدولة ورفع سن التقاعد في معدل استبدال منافع المعاشات، وإلى استكشاف العلاقة بين السياسات الثلاث عند تحديد معدل استبدال مستهدف، وإيجاد الحل الأمثل عند تثبيت إحدى السياسات والسماح بتعديل السياستين الأخريين في ظل تعظيم منفعة الفرد وتحقيق معدل محدد لاستبدال المنافع، ولتحقيق ذلك طوّر الباحثون نموذجًا للأجيال المتعاقبة يضم ثلاثة قطاعات، هي قطاع الأسر المكوّن من وكيل واحد معني بسياسة الإرجاء الضريبي الفردي، وقطاع الإنتاج المكوّن من منشآت مملوكة للدولة ومنشآت خاصة، والقطاع العام المسؤول عن الترتيبات السياساتية الشاملة، ثم ناقشوا أثر السياسات في معدل الاستبدال الكلي في حالة الاستقرار، وأجروا تحليلًا لحساسية المعلمات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن سياسة الإرجاء الضريبي هي صاحبة الأثر الأكبر في معدل استبدال منافع المعاشات مقارنة بالسياستين الأخريين، وأن كل سياسة من السياسات الثلاث ترتبط بعلاقات عكسية مع غيرها عند ثبات معدل استبدال محدد، بحيث إن تعزيز إحدى السياسات يقلل الحاجة إلى الأخريين لتحقيق المعدل ذاته، كما تبيّن أن الأفراد عند المقارنة مع تأخير التقاعد يفضلون الإرجاء الضريبي وتخصيص رأس المال المملوك للدولة في ظل معدل استبدال معين، وأن الحل الأمثل لصنّاع السياسة يتحقق عندما تُثبّت سياسة واحدة وتُضبط السياستان الباقيتان بما يحقق التوازن بين منفعة الفرد واستدامة المنظومة، وهو ما يمنح النموذج قدرة على محاكاة البدائل السياساتية المختلفة وترتيبها وفق أثرها
ويكتسب ترتيب أثر السياسات أهمية خاصة عند قراءته في ضوء طبيعة كل أداة، فالإرجاء الضريبي يحفز الأفراد على الادخار الطوعي للتقاعد عبر مزايا ضريبية مؤجلة ترفع تراكم مدخراتهم وتاليًا منافعهم، بينما يعمل تخصيص رأس المال المملوك للدولة على نقل جزء من أصول الدولة وعوائدها إلى تمويل المعاشات فيخفف العبء عن الموازنة والأجيال العاملة، أما رفع سن التقاعد فيمد سنوات الاشتراك ويقلص سنوات الاستحقاق لكنه يمس حياة الأفراد اليومية مباشرة، ومن هنا يفسر النموذج تفضيل الأفراد للأداتين الأوليين، إذ تحققان معدل الاستبدال المستهدف بكلفة شخصية أقل إيلامًا من إطالة سنوات العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع أهمية الدراسة من معالجتها المتكاملة لثلاث سياسات إصلاحية كبرى في بلد يواجه تحولًا ديموغرافيًا عميقًا، إذ تقدم لصنّاع القرار تصورًا كميًا عن كيفية توزيع عبء إصلاح المعاشات بين الإرجاء الضريبي وتخصيص رأس المال العام وتأخير التقاعد، وتوضح أن تفضيلات الأفراد تميل إلى الأدوات التي تحافظ على دخلهم الحالي وتخفف كلفة العمل لسنوات أطول، كما تفتح الدراسة بابًا لمزيد من البحث في تحسين السياسات المشتركة، إذ يمكن البناء على نموذجها لاختبار تركيبات سياساتية أخرى ومعايرة معلماتها وفق بيانات أحدث، بما يخدم تخطيط منظومات التقاعد في الاقتصادات التي تواجه الشيخوخة السكانية ذاتها
وتقدم الدراسة بذلك إطارًا قابلًا للتوظيف في نقاشات إصلاح التقاعد خارج السياق الصيني أيضًا، إذ تواجه اقتصادات كثيرة معضلة الشيخوخة ذاتها وتتأرجح بين رفع سن التقاعد وزيادة الاشتراكات وتحفيز الادخار الخاص، غير أن قابلية النقل تظل مشروطة باختلاف البنى المؤسسية وأسواق العمل والثقافة الادخارية بين البلدان، كما يظل النموذج بحاجة إلى معايرة مستمرة ببيانات ديموغرافية واقتصادية مستجدة، لأن افتراضات النمو في الأجور وعوائد رأس المال ومعدلات الخصوبة كلها متغيرات تتحرك مع الزمن وتعيد تشكيل الحلول المثلى التي يقترحها التحليل
وخلاصة القول إن إصلاح المعاشات في ظل الشيخوخة السكانية مسألة توازن دقيق بين أدوات متفاعلة، وإن الإرجاء الضريبي يتصدر هذه الأدوات أثرًا في معدل استبدال المنافع، وإن فهم العلاقات العكسية بين السياسات الثلاث وتفضيلات الأفراد يمنح صنّاع القرار أساسًا رشيدًا لاختيار المزيج الأمثل الذي يعظم منفعة الفرد ويحفظ استدامة المنظومة التقاعدية معًا








