تُحال معظم منازعات الاستثمار المعروفة بين المستثمرين والدول إلى صورة من التحكيم الدولي تعرف بتحكيم المستثمر والدولة أو تسوية منازعات المستثمر والدولة، بينما تُحال بقية المنازعات إلى التحكيم المحلي أو التقاضي أمام محاكم الدول المضيفة، ويعد المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار أكبر مؤسسات هذا النظام، إذ عالج 829 قضية من أصل 1190 قضية حتى ديسمبر 2021، غير أن نظام تسوية منازعات المستثمر والدولة واجه في السنوات الأخيرة تحديات بلغت حد الأزمة، واستجابت الدول لهذه التحديات بطرق مختلفة، ففي الاتحاد الأوروبي برز اتجاه لإعادة النظر في إدراج هذا النظام في الاتفاقات التجارية المرتقبة، وصولًا إلى استبدال نظام جديد به يعرف بنظام محاكم الاستثمار، وهو ما تتناوله هذه الدراسة بالتقييم والتحليل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تقييم الطبيعة القانونية لنظام محاكم الاستثمار، وبيان ما إذا كان هذا النظام قادرًا على حل التحديات التي تواجه تسوية منازعات المستثمر والدولة في العالم، وقد استعرضت الدراسة سياق نشأة النظام الجديد في الاتحاد الأوروبي، إذ عزم الاتحاد عام 2014 على إدراج تسوية منازعات المستثمر والدولة في اتفاقاته التجارية المنتظرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وأجرى في إطار التحضير لذلك مشاورات عامة دعي فيها الجمهور إلى التعليق على إمكان استخدام هذا النظام في تلك الاتفاقات، فرفض أكثر من 90 في المئة من المصوتين إدراجه فيها، فتخلى الاتحاد الأوروبي عن نظام التسوية القائم وأنشأ نظام محاكم استثمار ثنائيًا، ثم جاءت أحكام محكمة العدل للاتحاد الأوروبي عامي 2018 و2021 لتقرر أن تسوية منازعات المستثمر والدولة بين دول الاتحاد غير مشروعة وغير متوافقة مع نظامه القانوني، واعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا قانونيًا يقارن بين النظامين ويقيم مدى استجابة النظام الجديد لمكامن الأزمة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- خلصت الدراسة إلى أن نظام محاكم الاستثمار نظام هجين يجمع بين خصائص المحكمة وخصائص هيئة التحكيم، فهو ليس محكمة خالصة بالمعنى التقليدي ولا تحكيمًا تقليديًا، وإنما صيغة وسطى تستعير من كليهما بعض العناصر والآليات
2- أظهرت الدراسة أن نظام محاكم الاستثمار لا يعالج معالجة كاملة جميع التحديات التي تواجه تسوية منازعات المستثمر والدولة، فبعض مواطن الانتقاد الموجهة إلى النظام القديم ما تزال قائمة أو تعالج معالجة جزئية في الصيغة الجديدة، مما يحد من قدرته على تقديم حل شامل للأزمة
3- بينت الدراسة أن النظام الجديد عمل قيد التطوير لم يكتمل بناؤه بعد، وأنه يحتاج إلى مزيد من الفحص والتدقيق والتحسين بمرور الوقت، بحيث تتطور قواعده وممارساته تدريجيًا في ضوء التجربة العملية والملاحظات النقدية التي تثار حوله
4- أوضحت الدراسة أن أزمة نظام تسوية منازعات المستثمر والدولة دفعت الدول إلى استجابات متباينة، بين الإبقاء على التحكيم وإصلاحه، وبين استبدال أنظمة قضائية به، وهو تباين يعكس اختلاف المواقف السياسية والقانونية من شرعية هذا النظام وحدود سيادة الدول في تنظيم الاستثمار الأجنبي داخل أقاليمها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد نتائج هذه الدراسة مصممي اتفاقات الاستثمار وصناع السياسة في الدول التي تفكر في اعتماد نظام محاكم الاستثمار أو تطويره، إذ تبين أن الانتقال من التحكيم إلى المحاكم لا يكفي وحده لحل أزمة تسوية منازعات المستثمر والدولة، بل يتطلب إصلاحًا متدرجًا يخضع للمراجعة المستمرة، كما تنبه الدراسة الباحثين والممارسين إلى الطبيعة الهجينة للنظام الجديد وما تثيره من أسئلة حول الاختصاص والإجراءات وقابلية التنفيذ، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تقيم أداءه الفعلي بعد تراكم تجربته العملية
وخلاصة القول إن نظام محاكم الاستثمار يمثل استجابة أوروبية لأزمة متنامية في تحكيم المستثمر والدولة، وقد خلصت الدراسة إلى أنه نظام هجين بين المحكمة وهيئة التحكيم، وأنه لا يعالج كل تحديات النظام القائم معالجة كاملة، فهو عمل قيد التطوير ينبغي أن يخضع لمزيد من الفحص والتحسين بمرور الوقت قبل الحكم النهائي على جدواه








