تجسد الحرب الأهلية في السودان الكيفية التي تُخاض بها الحروب بالوكالة المعاصرة بشراسة داخل البيئات المعلوماتية الرقمية، إذ لم تعد المواجهة محصورة في الميدان بل امتدت إلى تشكيل التصورات والسرديات عبر المنصات الإخبارية العابرة للحدود، وفي هذا السياق تستخدم الدراسة نظرية السردية الاستراتيجية لفحص التسليح البنيوي للصحافة العابرة للحدود في بناء التصور الجيوسياسي لانهيار الدولة، وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن المنصات الإخبارية الرقمية باتت أدوات للقوة الناعمة تتقاطع فيها مصالح الدول الراعية والفاعلين المتنافسين، وتنعكس سردياتها في تشكيل الوعي الدولي بالصراع وشرعية التدخلات المختلفة فيه، وهو ما يجعل تحليل التغطيات الإخبارية مدخلًا لفهم أبعاد الصراع غير العسكرية وأدوات التأثير فيه، وتتغذى هذه السرديات على طبيعة الصراعات بالوكالة ذاتها، إذ يتنافس الرعاة الخارجيون على تشكيل صورة الصراع وشرعية أطرافه بقدر تنافسهم على مجرياته الميدانية وتحالفاته المتغيرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص السرديات الاستراتيجية لصراع السودان في وسائل الإعلام الرقمية، وكشف كيفية توظيف المنصات الإخبارية العابرة للحدود في تشكيل التصورات الجيوسياسية للأزمة، واعتمدت الدراسة على تحليل تفسيري شمل 402 مقال باللغة الإنجليزية من ثلاث منصات إخبارية، هي الجزيرة الإنجليزية التابعة لقطر، وصحيفة ذا ناشيونال التابعة للإمارات العربية المتحدة، وصحيفة نيويورك تايمز التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وقارن التحليل بين أطر التغطية والسرديات التي تبنتها كل منصة تجاه الأزمة السودانية وأطرافها والتدخلات الخارجية فيها، مستندًا إلى نظرية السردية الاستراتيجية بوصفها إطارًا مفسرًا لكيفية بناء السرديات وتوظيفها في خدمة أهداف سياسية وجيوسياسية تتجاوز حدود التغطية الصحفية ذاتها، كما فحص التحليل كيفية إسقاط كل منصة لسرديتها على فهم الجمهور العالمي للأزمة وعلى المواقف من التدخلات الدبلوماسية والعسكرية المحتملة فيها ومن شرعية أطرافها
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أن صحيفة نيويورك تايمز أطرت الأزمة عبر مؤشر «عدم الاستقرار العالمي»، وعملت بنشاط على إضفاء الشرعية على التدخل الدبلوماسي بقيادة الولايات المتحدة، بما يعيد توجيه فهم الأزمة من سياقها المحلي والإقليمي إلى إطار عالمي عام
النتيجة الثانية: أن الجزيرة الإنجليزية وظفت سردية هوية قائمة على تصوير الدولة ضحية، لنزع الشرعية عن القوات شبه العسكرية المنافسة، ولإدانة الرعاة الخليجيين المتنافسين بصورة ضمنية
النتيجة الثالثة: أن صحيفة ذا ناشيونال مارست تعتيمًا إنسانيًا بنزعها النشط للطابع السياسي عن الكارثة، بما يحمي التدخلات الإماراتية بالوكالة من التدقيق الدولي، وذلك عبر التركيز على الجوانب الإنسانية للكارثة بعيدًا عن أبعادها السياسية والعسكرية
النتيجة الرابعة: أن الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية على السواء تستقطب منصات الأخبار الرقمية منهجيًا بوصفها ترسانات للقوة الناعمة لإملاء التصورات الجيوسياسية للجنوب العالمي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالات هذه الدراسة في أنها تبين أن تغطية الصراعات المعاصرة في الإعلام الرقمي ليست نقلًا محايدًا للأحداث، بل عملية بناء سردي تتداخل فيها التغطية الصحفية مع إستراتيجيات القوة الناعمة للدول والرعاة المتنافسين، ويعزز ذلك أهمية التحليل النقدي للسرديات الإخبارية لدى الباحثين في الإعلام والعلاقات الدولية وصناع السياسات والجمهور، إذ يساعد الوعي بأطر التأطير المختلفة على قراءة التغطيات قراءة واعية وعدم الاكتفاء بالانطباعات الأولى، كما تقدم الدراسة إطارًا تحليليًا قابلًا للتطبيق على صراعات أخرى تُخاض سرديًا في البيئات الرقمية، وتفتح الباب أمام دراسات مقارنة أوسع للمنصات الإخبارية العابرة للحدود وأدوارها في الصراعات بالوكالة وفي تشكيل الوعي الدولي بها، كما تنبه الدراسة إلى أن مفردات التغطية ذات الطابع الإنساني أو الأمني قد تحمل وظائف سياسية كامنة تتجاوز ظاهرها الوصفي، وأن تفكيك السرديات المتقابلة شرط لفهم موازين التأثير غير العسكري في الصراعات المعاصرة
وخلاصة القول إن السرديات الاستراتيجية لصراع السودان في وسائل الإعلام الرقمية كشفت تباينات جوهرية بين المنصات الإخبارية الثلاث المدروسة، بين تأطير عدم الاستقرار العالمي وسردية هوية الدولة الضحية والتعتيم الإنساني، بما يؤكد أن الصحافة العابرة للحدود توظف بوصفها أداة قوة ناعمة في التنافس الجيوسياسي حول الصراع








