تحتل ابتكارات الطاقة موقعًا مهمًا في الانتقال نحو اقتصاد صفري الكربون، وتستثمر حكومات الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة في البحث والتطوير والإثبات والنشر لتقنيات الطاقة الجديدة ضمن سياساتها للطاقة والمناخ، غير أن الدعم الحكومي لابتكارات الطاقة لا يكون كفؤًا دائمًا في تحقيق أهداف السياسات المناخية، إذ قد تتوزع الأموال العامة على مراحل عملية الابتكار بصورة لا تحقق أفضل عائد بيئي ممكن، وهو ما يثير سؤالًا جوهريًا حول الكيفية المثلى لتوزيع الميزانيات المخصصة لابتكار الطاقة بين مرحلة البحث والتطوير ومرحلة التسويق التجاري، وحول كيفية قياس فعالية هذا الإنفاق قياسًا موضوعيًا قابلًا للمقارنة بين الدول، ومع تسارع الالتزامات المناخية الدولية تتضاعف الحاجة إلى مثل هذا الترشيد الذي يربط كل مبلغ منفق بنتيجته البيئية المتوقعة
وتنبع أهمية هذا النموذج من طبيعة عملية الابتكار ذاتها، إذ لا تتحول النفقات العامة إلى تقنيات قابلة للانتشار بمجرد رصدها، بل عبر سلسلة متصلة تبدأ بالبحث والتطوير وتنتهي بالتسويق التجاري، وقد يختل أداء السلسلة كلها إذا اختل توزيع التمويل بين حلقاتها، ولذلك يعامل النموذج مدخلات الميزانية بوصفها مشتركة بين المرحلتين، ويختبر كفاءة أنماط توزيعها المختلفة في ضوء المخرجات البيئية المستهدفة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقديم منهج لتحسين نظام تخصيص الميزانية العامة الموجهة إلى تحقيق أهداف إزالة الكربون، باقتراح نموذج من مرحلتين لتحليل مغلف البيانات بمدخلات مشتركة، يحدد التوزيع الأمثل للأموال العامة على عملية ابتكار الطاقة، بحيث تُقسَّم العملية إلى مرحلة أولى للبحث والتطوير ومرحلة ثانية للتسويق التجاري، وتُوزَّع مدخلات النموذج المتمثلة في نفقات الميزانية على ابتكارات الطاقة بين هاتين المرحلتين بحسب ما يقتضيه التوزيع الكفؤ
واعتمد النموذج منتجات وسيطة تتمثل في أعداد براءات الاختراع في الطاقة النظيفة وطاقة الهيدروكربونات، بينما تتمثل مخرجاته النهائية في التغيرات في كثافة الكربون وكفاءة الطاقة، وبذلك يربط النموذج بين الإنفاق الحكومي ومحصول الابتكار الملموس والأداء البيئي النهائي في سلسلة واحدة، ويمكن استخدام هذا النموذج في تقويم فعالية الإنفاق الحكومي على ابتكار الطاقة ومقارنة كفاءة الدول في تحويل مخصصاتها إلى نتائج مناخية فعلية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهرت نتائج تطبيق النموذج أن بعض الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة ينبغي أن تخصص جزءًا كبيرًا من ميزانية تقنيات الوقود الأحفوري، يزيد على 70 في المئة منها، لمرحلة البحث والتطوير، بما يعيد التوازن بين مرحلتي الابتكار في تلك الدول ويوجه الإنفاق إلى المرحلة الأعلى عائدًا
النتيجة الثانية: كشف التحليل بصورة عامة أن توزيع الإنفاق القائم في عدد من الدول لا يطابق التوزيع الأمثل الذي يقترحه النموذج، وهو ما يعني أن زيادة إجمالي الإنفاق على ابتكارات الطاقة لا تضمن وحدها تحقيق الأهداف المناخية ما لم يصحبها توزيع رشيد بين مرحلتي البحث والتطوير والتسويق التجاري
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة هذه الدراسة في أنها تقدم لصانعي القرار أداة كمية داعمة لاتخاذ القرار على المستوى الدولي، ترفع فعالية السياسات العامة في تحقيق أهداف إزالة الكربون وكفاءة الطاقة، إذ يمكن للحكومات أن تستعين بمخرجات النموذج في إعادة هيكلة مخصصات دعم ابتكارات الطاقة، وتوجيه النفقات نحو المراحل الأجدى بيئيًا، بدل الاكتفاء بزيادة إجمالي الإنفاق دون النظر في بنيته الداخلية
كما يسهم النموذج في ترشيد نقاشات سياسات الطاقة والمناخ حين يصل بين الإنفاق العام وبراءات الاختراع ومؤشرات الأداء البيئي في إطار قابل للقياس والمتابعة، بما يتيح رصد التقدم نحو مستهدفات خفض كثافة الكربون ورفع كفاءة الطاقة، ومحاسبة البرامج الحكومية على نتائجها الفعلية، وتحديد مواضع الهدر أو سوء التخصيص في الميزانيات الموجهة للابتكار، وهو ما يجعل أداة التقويم هذه صالحة للاستخدام الدوري في مراجعة سياسات دعم الطاقة النظيفة
وخلاصة القول إن تحسين تخصيص الميزانيات العامة لابتكارات الطاقة شرط مهم لنجاح الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، ويوفر نموذج تحليل مغلف البيانات ذو المرحلتين الذي اقترحته هذه الدراسة إطارًا عمليًا لتحديد التوزيع الأمثل لهذا الإنفاق وتقويم فعاليته في ضوء أهداف إزالة الكربون وكفاءة الطاقة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/12/7/160
DOI: 10.3390/economies12070160
