يتسع مفهوم السياحة الجيولوجية انتشارًا في العالم بوتيرة متسارعة ودون استثناء، نظرًا لمرونته في تثمين عناصر التنوع الجيولوجي والتراث الجيولوجي، إذ تجد العناصر الطبيعية التي لا يبدو لها استخدام أو منفعة ظاهرة في السياحة الجيولوجية نافذة تستثمر من خلالها إمكانات لم تكن متوقعة، وتقع بحيرة كوليبرياس في الوسط الجنوبي من جبال الأنديز الإكوادورية، وتمثل وحدة هيدروغرافية ذات منشأ جليدي بحيري، وتُعد نموذجًا نمطيًا للأماكن الخفية التي تختزن إمكانات قيّمة للسياحة الجيولوجية، وتتميز المنطقة بسلسلة من الأشكال النهرية الجليدية التي تخفي وراء تضاريسها تراثًا ثقافيًا مهمًا يتجلى في احتفالاتها وأساطيرها وحكاياتها الشعبية التي توارثها الناس عبر القرون، وقد سكنت هذا القطاع في الماضي والحاضر حضارتا الإنكا والكانياري الأصليتان، وما تزال آثار حضورهما ظاهرة حتى اليوم، كما في طريق الإنكا المعروف باسم قاباق نيان أو شبكة طرق الإنكا، ويمنح هذا الاجتماع بين الأهمية الجيولوجية والغنى الثقافي المنطقة فرصة نادرة لأن تصبح وجهة مميزة للباحثين والزوار المهتمين بتاريخ الأرض وتراث الإنسان معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف عناصر التراث الجيولوجي والموارد المرتبطة به في منطقة بحيرة كوليبرياس وتحديد استخداماتها الممكنة، انطلاقًا من منظور شمولي اجتماعي بيئي وسياحي جيولوجي تتكامل فيه المكونات الطبيعية والثقافية، واعتمدت الدراسة على توليد المعلومات حول عناصر التراث الجيولوجي في المنطقة ودراسة قيمها الجوهرية وما يرتبط بها من موارد طبيعية وثقافية، وشمل ذلك الأشكال النهرية الجليدية المميزة للمنطقة والتراث الثقافي المتصل بها من احتفالات وأساطير وحكايات، والآثار الباقية لحضارتي الإنكا والكانياري وفي مقدمتها شبكة طرق الإنكا، بما يقدم صورة متكاملة عن مقومات المنطقة وقدرتها على استضافة أنشطة السياحة الجيولوجية وتطويرها، كما أولت الدراسة اهتمامًا بإبراز التكامل بين القيم الجيولوجية والقيم الثقافية للمنطقة، بوصف هذا التكامل الأساس الذي تقوم عليه تجربة السياحة الجيولوجية وتميزها عن غيرها من أنماط السياحة الطبيعية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهرت الدراسة أن بحيرة كوليبرياس تمثل وحدة هيدروغرافية ذات منشأ جليدي بحيري، وأنها بوصفها مكانًا خفيًا نمطيًا تختزن إمكانات قيّمة للسياحة الجيولوجية لم تُستثمر بعد بالقدر الكافي
النتيجة الثانية: كشفت الدراسة أن المنطقة تتميز بسلسلة من الأشكال النهرية الجليدية التي تخفي تراثًا ثقافيًا مهمًا، يتجلى في الاحتفالات والأساطير والحكايات التي احتُفل بها عبر القرون وما تزال حية في وجدان أهل المنطقة
النتيجة الثالثة: وثّقت الدراسة بقاء آثار ظاهرة لحضارتي الإنكا والكانياري اللتين سكنتا هذا القطاع في الماضي والحاضر، ويأتي في مقدمة هذه الآثار طريق قاباق نيان أو شبكة طرق الإنكا التي تشهد على عمق الحضور التاريخي في المنطقة
النتيجة الرابعة: أتاحت الدراسة توليد معلومات عن عناصر التراث الجيولوجي وموارد أخرى مرتبطة بها ذات استخدامات محتملة متنوعة، وتبين أن هذه العناصر تحمل قيمًا جوهرية حاضرة في المنطقة وتتكامل فيما بينها من منظور شمولي اجتماعي بيئي وسياحي جيولوجي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح نتائج الدراسة الباب أمام توظيف بحيرة كوليبرياس ومحيطها في برامج السياحة الجيولوجية التي تجمع بين التعريف بالموروث الجيولوجي والاحتفاء بالتراث الثقافي المحلي، إذ يمكن أن تتحول الأشكال النهرية الجليدية وطريق الإنكا والاحتفالات والأساطير المحلية إلى منتج سياحي متكامل يثري تجربة الزائر ويدعم المجتمعات المحلية، كما تقدم الدراسة نموذجًا قابلًا للتطبيق في مناطق أخرى تمتلك عناصر جيولوجية كامنة لم تُثمّن بعد، وتؤكد أن النظر إلى التراث الجيولوجي بمنظور شمولي اجتماعي بيئي يضاعف قيمته ويحسن فرص حمايته واستدامته، ويمثل توثيق هذه العناصر وتقويمها خطوة أولى ضرورية قبل أي تطوير سياحي، حتى يقوم التطوير على معرفة دقيقة بالقيم الواجب صونها وبحدود الاستخدام الملائمة لكل عنصر
وخلاصة القول إن بحيرة كوليبرياس في جبال الأنديز الإكوادورية تمثل مخزونًا غنيًا للتراث الجيولوجي والثقافي لم يُكشف عنه بالكامل بعد، إذ تجتمع فيها الأشكال النهرية الجليدية والاحتفالات والأساطير وآثار حضارتي الإنكا والكانياري في منظومة واحدة متكاملة، وإن توصيف هذه العناصر وتوليد المعلومات عنها يضع الأساس لاستثمارها في سياحة جيولوجية مستدامة تحفظ القيم الجوهرية للمنطقة وتفيد أهلها وزوارها
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2673-5768/4/3/26
DOI: 10.3390/tourhosp4030026
