تحتل الأسواق الليلية مكانة خاصة في كثير من المجتمعات بوصفها مراكز نابضة للتبادل الثقافي والتفاعل المجتمعي والسياحة، فهي تسهم إسهامًا مهمًا في الاقتصادات المحلية وفي الحفاظ على التراث الثقافي، إذ تجمع بين التسوق والطعام والتراث في فضاء واحد مفتوح، ومع ذلك ما تزال البحوث حول تجربة العملاء في هذه البيئات الديناميكية محدودة مقارنة بأهميتها الاقتصادية والاجتماعية، فلا يُعرف على وجه الدقة أي العوامل يصنع رضا الزائر وولاءه: تفضيله للمنتجات المعروضة، أم جودة الخدمات المقدمة، أم سهولة الوصول إلى المرافق واستخدامها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث العوامل الحاسمة التي تشكل تجارب العملاء في الأسواق الليلية، مع التركيز على تفضيلات المنتجات وجودة الخدمات وإمكانية الوصول إلى المرافق، واعتمدت على استبانة منظمة جُمعت بها البيانات من مئتين وواحد من زوار الأسواق الليلية عبر عينة قصدية، ثم وظفت نمذجة المعادلات البنائية لتقدير الترابطات بين المتغيرات الرئيسة وقياس أثر كل عامل في تجربة العميل قياسًا كميًا، بما يتيح ترتيب العوامل بحسب قوة تأثيرها ودلالتها الإحصائية، وتقديم صورة متكاملة عن محركات الرضا في هذه البيئة التجارية الشعبية
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أظهر تفضيل المنتج أثرًا إيجابيًا كبيرًا في تجربة العميل، إذ بلغ معامل أثره 0.465 بدلالة إحصائية عند مستوى أقل من 0.001، فكلما وافقت المنتجات المعروضة أذواق الزوار وحاجاتهم تحسنت تجربتهم العامة في السوق
النتيجة الثانية: جاءت إمكانية الوصول إلى المرافق العامل الأقوى أثرًا، بمعامل بلغ 0.585 وبدلالة إحصائية عند مستوى أقل من 0.001، ما يعني أن سهولة الوصول إلى المرافق وجودتها شرطان حاسمان في تشكيل انطباع الزائر ورضاه
النتيجة الثالثة: حققت جودة الخدمة أثرًا إيجابيًا دالًا بدورها، بمعامل بلغ 0.209 وبدلالة إحصائية عند مستوى أقل من 0.01، وتؤدي جودة الخدمات والمرافق أدوارًا محورية في تشكيل رضا العملاء وتجاربهم بصورة مباشرة وغير مباشرة معًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أهمية عروض المنتجات المصممة بحسب أذواق العملاء، وجودة الخدمة المتسقة، والمرافق المصانة جيدًا في تعزيز الرضا والولاء، وتقدم الدراسة رؤى عملية للبائعين وإدارات الأسواق الليلية تشدد على قيمة فهم تفضيلات العملاء وضمان الكفاءة التشغيلية وتحسين تجهيزات المرافق، كما تسهم في الأطر النظرية لتجربة العميل عمومًا، وتثري قاعدة المعرفة الخاصة بتشغيل الأسواق الليلية، وتوفر استراتيجيات قابلة للتطبيق من أجل تطوير مستدام للأسواق ومشاركة أعمق للعملاء
وتستمد هذه النتائج أهميتها من المكانة الاقتصادية والثقافية المتنامية للأسواق الليلية في مدن كثيرة حول العالم، إذ تمثل واجهات سياحية منخفضة الكلفة نسبيًا ومختبرات حية لريادة الأعمال الصغيرة وتوظيف الشباب، ومع اشتداد المنافسة بين الوجهات الترفيهية والتجارية لم يعد جذب الزائر كافيًا ما لم تقترن الزيارة الأولى بتجربة مرضية تدفعه إلى العودة والتوصية، وهنا يبرز تفوق عامل المرافق وإمكانية الوصول بوصفه تذكيرًا بأن البنية التحتية الأساسية من إضاءة ونظافة وتنظيم ومسارات حركة ميسرة تسبق في أثرها كثيرًا من جهود الترويج، كما يمنح ترتيب العوامل الثلاثة إدارات هذه الأسواق أساسًا موضوعيًا لتوزيع موازنات التطوير المحدودة على الأولويات الأعلى عائدًا في رضا الزوار وولائهم المستقبلي
وينبغي قراءة هذه النتائج أيضًا في سياق المنافسة المتزايدة بين الأسواق الليلية ومراكز التسوق الحديثة ومنصات التسوق الإلكتروني، فميزة السوق الليلي التنافسية تكمن في تجربته الحسية والاجتماعية الحية التي لا تُستنسخ رقميًا، ومن ثم فإن الاستثمار في المرافق والمنتجات والخدمة ليس تحسينًا تشغيليًا فحسب، بل هو دفاع عن هوية هذا النمط التجاري التراثي وقدرته على البقاء وجهة اجتماعية وسياحية نابضة تجذب الأجيال الجديدة دون أن تفقد طابعها الشعبي الأصيل
وخلاصة القول إن تجربة العميل في الأسواق الليلية تصنعها ثلاثة عوامل متكاملة يتصدرها الوصول الميسر إلى المرافق ثم ملاءمة المنتجات لأذواق الزوار ثم جودة الخدمة، وإدارة هذه العوامل مجتمعة هي الطريق إلى أسواق ليلية مزدهرة تحفظ تراثها وتستقطب زوارها باستمرار
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2673-5768/5/4/82
DOI: 10.3390/tourhosp5040082
