يواجه اللاجئون في البلدان المضيفة تحديات جسيمة في الحصول على فرص عمل لائقة، بفعل قيود قانونية ولغوية واجتماعية واقتصادية متراكمة، فيجد كثير منهم أنفسهم مضطرين إلى خلق فرصهم بأنفسهم عبر تأسيس مشروعات صغيرة واعتناق التوظيف الذاتي طريقًا للعيش الكريم، غير أن هذا الطريق يحتاج إلى تمويل يمكنهم من الانطلاق، وهنا يبرز سؤال التمويل بمصادره الرسمية المتمثلة في البنوك والمؤسسات المالية، وغير الرسمية المتمثلة في الجمعيات المجتمعية والأقارب وشبكات التضامن، وفي الحضر الكيني حيث تتركز أعداد كبيرة من اللاجئين في المدن، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة، ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى تقييم أدوار التمويل الرسمي وغير الرسمي في التوظيف الذاتي للاجئين، وفحص محددات قرارات التمويل والتوظيف الذاتي لديهم في بيئة حضرية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم أدوار كل من التمويل الرسمي والتمويل غير الرسمي في قرار اللاجئين اعتناق التوظيف الذاتي، وإلى الوقوف على العوامل الدافعة لقرارات التمويل والتوظيف الذاتي لدى اللاجئين في المناطق الحضرية الكينية، مقارنة بغيرهم من المواطنين الكينيين في البيئة ذاتها، واعتمدت الدراسة منهجًا كميًا متقدمًا يقوم على توسيع أسلوب تحليل بليندر وأواكساكا الذي طوره فيرلي، وهو أسلوب إحصائي يفكك الفروق بين المجموعات في احتمالية التوظيف الذاتي إلى أجزاء تعود إلى اختلاف الخصائص وأجزاء تعود إلى اختلاف العوائد على تلك الخصائص، وبذلك أمكن للدراسة أن تحدد بدقة ما إذا كان كل مصدر من مصادر التمويل مرتبطًا دلاليًا بقرار التوظيف الذاتي، وأن تقارن بين اللاجئين والمواطنين وبين الرجال والنساء في كيفية تأثير التمويل في خياراتهم المهنية
ثانيًا: أبرز النتائج
١، أظهرت النتائج أن التمويل غير الرسمي مرتبط ارتباطًا ذا دلالة بقرار الفرد اعتناق التوظيف الذاتي، فمن يصلون إلى هذا المصدر المرن والقريب اجتماعيًا أكثر احتمالًا أن يؤسسوا أعمالهم الخاصة
٢، كشفت الدراسة أن التمويل الرسمي، في المقابل، لا يظهر ارتباطًا ذا دلالة بقرار التوظيف الذاتي لدى اللاجئين، بما يعكس صعوبة وصولهم إلى قنوات البنوك والمؤسسات المالية الرسمية وشروطها
٣، بيّنت النتائج أن اللاجئين الرجال الذين يحصلون على التمويل غير الرسمي أعلى احتمالًا في اعتناق التوظيف الذاتي من اللاجئات النساء ومن المواطنين الكينيين، وهو ما يكشف فجوة بين الجنسين في الاستفادة من هذا التمويل
٤، أكدت الدراسة أن السياق الحضري ومكانة اللاجئ القانونية والاجتماعية يشكلان خلفية حاسمة لهذه النتائج، فغياب الضمانات والأوراق الرسمية يغلق أبواب التمويل الرسمي ويدفع نحو القنوات غير الرسمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو نتائج الدراسة إلى إجراءات عملية تستثمر ما ثبتت فعاليته، وفي مقدمتها تشجيع تكوين المنظمات المجتمعية التي تيسر الوصول إلى التمويل غير الرسمي وتوجه استخدامه نحو مشروعات منتجة، مع عناية خاصة بالإجراءات الإيجابية التي تعالج التفاوت بين اللاجئين الرجال والنساء في الوصول إلى هذا التمويل والانتفاع به، كما تنبه النتائج صانعي السياسات والمنظمات الإنسانية إلى أن إدماج اللاجئين اقتصاديًا لا يتحقق بمجرد دعوتهم إلى ريادة الأعمال، بل بتذليل حواجز التمويل أمامهم، سواء بفتح قنوات رسمية أكثر مرونة تراعي أوضاعهم، أو بتقوية القنوات غير الرسمية القائمة وتنظيمها وحمايتها، وتفيد الدراسة الباحثين بتوثيقها آلية دقيقة يفسر بها التمويل المجتمعي ظاهرة التوظيف الذاتي للاجئين في سياقات حضرية مشابهة، وتتسق هذه الخلاصة مع أدبيات أوسع حول الاقتصادات غير الرسمية في بلدان الجنوب، حيث تؤدي شبكات الثقة والتضامن الاجتماعية أدوار مؤسسات غائبة عن المشهد أو متعذرة الوصول على الفئات الأضعف في المجتمع
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن التمويل غير الرسمي هو الشريان الفعلي الذي يغذي التوظيف الذاتي للاجئين في كينيا الحضرية، في حين يبقى التمويل الرسمي بعيد المنال عنهم، ومن ثم فإن أي سياسة جادة لتمكين اللاجئين اقتصاديًا ينبغي أن تبدأ من واقعهم المالي كما هو، فتدعم منظماتهم المجتمعية وتعالج فجوات الجنسين، وتفتح تدريجيًا أبواب التمويل الرسمي أمام مشروعاتهم الصغيرة
