حظي أثر رأس المال الفكري في الابتكار الأخضر بدراسة واسعة على مستوى الشركات والمنظمات، غير أن تأثير العوامل المعدِّلة في هذه العلاقة على المستوى الوطني ما يزال غير مستكشف بالقدر الكافي في الدراسات السابقة، إذ تتحرك العلاقة بين ما تملكه الدول من أصول غير ملموسة كالمعرفة والمهارات والقدرات الابتكارية وبين قدرتها على إنتاج ابتكارات صديقة للبيئة داخل أطر مؤسسية تتفاوت جودتها من اقتصاد إلى آخر، ومن ثم فإن فهم الدور المعدِّل للجودة المؤسسية في هذه العلاقة يقدم صورة أدق لشروط تحويل رأس المال الفكري الوطني إلى ابتكار أخضر فعلي، وهو ما تنهض به هذه الدراسة في سياق اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص دور الجودة المؤسسية في تعديل العلاقة بين رأس المال الفكري الوطني والابتكار الأخضر عبر 17 اقتصادًا في آسيا والمحيط الهادئ على مدى عشرين عامًا بدءًا من عام 2000، واستخدمت تقنيات متنوعة تراعي الاعتماد المقطعي وتجانس الميول في تحليل بيانات اللوحات، بما أتاح فحص هذه العلاقة في الأجلين الطويل والقصير على حد سواء، كما درست الآثار الحدية لرأس المال الفكري الوطني في الابتكار الأخضر عند درجات مختلفة من الجودة المؤسسية، بما يكشف عما إذا كان أثر رأس المال الفكري ثابتًا أم متغيرًا بحسب قوة المؤسسات في كل اقتصاد، وتتميز الدراسة بكونها فحصًا تجريبيًا على المستوى الوطني الكلي ينتقل بالعلاقة المدروسة من مستوى الشركات، حيث تركزت الأدبيات السابقة، إلى مستوى الاقتصادات الوطنية وسياساتها العامة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- يعزز ازدياد رأس المال الفكري الوطني والجودة المؤسسية الابتكار الأخضر في اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ، فكل منهما عامل داعم مستقل لهذا النوع من الابتكار، بما يؤكد أن بناء القدرات المعرفية الوطنية وتطوير المؤسسات مساران متوازيان لدفع الابتكار الصديق للبيئة
2- تشتد آثار رأس المال الفكري الوطني في الابتكار الأخضر كلما ارتفعت درجة الجودة المؤسسية، بما يؤكد أن الجودة المؤسسية تعمل متغيرًا معدِّلًا يقوي هذه العلاقة ولا يكتفي بمرافقتها، فالمعرفة الوطنية تثمر ابتكارًا أخضر أكبر حين تعمل داخل مؤسسات عالية الجودة
3- يحفز تعزيز النمو الاقتصادي والاستغلال الكفء للموارد الطبيعية الابتكار الأخضر في الاقتصادات المدروسة، بما يربط بين الأداء الاقتصادي وإدارة الموارد الطبيعية ومسار الابتكار البيئي، ويشير إلى أن الابتكار الأخضر لا ينمو في فراغ اقتصادي بل يتغذى على دينامية الاقتصاد وكفاءة توظيف موارده
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن سياسات تحسين الابتكار الأخضر ينبغي أن تنسجم مع استراتيجيات النمو الاقتصادي التقليدية وأن تستثمر الموارد غير الملموسة بفاعلية، ولا سيما رأس المال الفكري الوطني، كما تعني أن الاستثمار في المعرفة والمهارات الوطنية دون تطوير الجودة المؤسسية يظل محدود العائد، إذ تتوقف ترجمة رأس المال الفكري إلى ابتكارات خضراء على بيئة مؤسسية قادرة على احتضانها وتحويلها إلى منتجات وسياسات، ومن ثم فإن بناء مؤسسات ذات جودة عالية يمثل شرطًا مصاحبًا لتعظيم أثر المعرفة الوطنية في الابتكار الصديق للبيئة، وتفيد النتائج صانعي السياسات في اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ وغيرها في ترتيب أولويات الإصلاح بين التعليم والبحث والتطوير من جهة والإصلاح المؤسسي من جهة أخرى بوصفهما حزمة واحدة متكاملة
وتحمل هذه النتائج رسالة عملية مفادها أن ترتيب الأولويات في سياسات الابتكار الأخضر لا ينفصل عن سياق كل اقتصاد ومستوى نضج مؤسساته، فالاقتصادات ذات الجودة المؤسسية المنخفضة قد تجني عائدًا أكبر من إصلاح مؤسساتها أولًا بوصفه مضاعفًا لأثر أي استثمار لاحق في رأس المال الفكري، بينما تستطيع الاقتصادات ذات المؤسسات الأقوى تسريع الابتكار الأخضر بتوسيع استثماراتها المعرفية مباشرة
وخلاصة القول إن الابتكار الأخضر على المستوى الوطني ثمرة تفاعل بين رأس المال الفكري والجودة المؤسسية، فكلما ارتفعت جودة المؤسسات اشتد أثر رأس المال الفكري في توليد الابتكار الصديق للبيئة، وإن سياسات الابتكار الناجحة هي التي تعالج هذين المسارين معًا في اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/5/126
DOI: 10.3390/economies13050126
