تمثل السياحة المحلية ركيزة مهمة لاستقرار القطاع السياحي في أوقات تقلب الطلب الخارجي وتغير الظروف الدولية، غير أن إقبال المستهلكين عليها لا يتحدد بتوافر المقاصد والمرافق فقط، بل باتجاهاتهم النفسية نحو ما تقدمه من مزايا وما يشوبها من عيوب مقارنة بالبدائل المتاحة أمامهم، وتتباين هذه الاتجاهات بين أنماط السياحة المحلية ذاتها، فالسياحة الشتوية الجبلية للتزلج تختلف في صورتها الذهنية وتجربتها الفعلية عن السياحة الصيفية البحرية على الشواطئ، وقد يحمل المستهلك رضا واضحا عن جوانب في أحد النمطين واستياء بينا من جوانب في النمط الآخر، ويحتاج فهم هذه الاتجاهات وتفسيرها إلى قياس منظم يفكك الموقف الكلي للمستهلك إلى تقييمات تفصيلية للمزايا والعيوب المدركة، بما يزود مشغلي القطاع وصناع السياسات بصورة دقيقة عن مواضع القوة والضعف في العرض السياحي المحلي، وتكتسب دراسة هذه الاتجاهات في بلغاريا أهمية خاصة لأن سياحتها المحلية تقوم على ركيزتين موسميتين متكاملتين هما منتجعات التزلج الجبلية شتاء والشواطئ البحرية صيفا، فأي اختلال في رضا المستهلك عن إحداهما يهدد توازن القطاع على مدار العام ويضغط على الاستثمارات والوظائف المرتبطة به
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
يهدف البحث إلى تحليل اتجاهات المستهلكين نحو السياحة الترويحية المحلية في بلغاريا بالنظر في العوامل الجوهرية المؤثرة في اختيارات المستهلكين للسفر وفي تجاربهم السياحية، مع التركيز على اتجاهاتهم نحو المزايا والعيوب الرئيسة للسياحة الترويحية المحلية بنمطيها الشتوي والصيفي، واستند البحث إلى نتائج مسح ممثل على المستوى الوطني شمل 1003 مشاركين ممن تجاوزت أعمارهم ثمانية عشر عاما من مختلف فئات المجتمع البلغاري، وفسرت النتائج باستخدام نموذج فيشبين متعدد السمات الذي يقيس الاتجاه بوصفه محصلة لتقييمات المستهلك لسمات المنتج السياحي المختلفة وأهميتها النسبية لديه، بما أتاح مقارنة اتجاهات المستهلكين نحو السياحة الشتوية والسياحة الصيفية المحليتين على مقياس موحد قابل للمقارنة الدقيقة، ويتيح تمثيل العينة على مستوى الوطن كله تعميم النتائج على مجتمع المستهلكين البالغين في بلغاريا بدرجة معقولة من الثقة الإحصائية
ثانيًا: أبرز النتائج
١- جاءت اتجاهات المستهلكين نحو مزايا السياحة الترويحية المحلية الشتوية للتزلج والصيفية البحرية أعلى نسبيا مقارنة بنقطة منتصف مدى المقياس وبنقطته العليا
٢- جاءت درجة السياحة الترويحية المحلية الصيفية في تقييم مزاياها أدنى قليلا من درجة السياحة الشتوية المقابلة لها
٣- يبدو المستهلكون البلغار أكثر استياء من مزايا السياحة الترويحية المحلية الصيفية البحرية، إذ تجاوز استياؤهم نقطة منتصف المقياس وكان أكبر أيضا مقارنة بالعيوب المرتبطة بالسياحة الترويحية الشتوية المحلية
٤- ينجذب المستهلكون البلغار بدرجة أكبر إلى الجوانب الإيجابية للسياحة الترويحية المحلية الشتوية، ويشعرون في المقابل بقلق أكبر إزاء الجوانب السلبية للسياحة الصيفية المحلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد النتائج مشغلي السياحة المحلية وصناع سياساتها في بلغاريا بأن معالجة مواضع الاستياء في العرض الصيفي البحري أولوية عملية لتحسين صورة السياحة المحلية ورفع إقبال المستهلكين عليها، بينما يمثل الرضا النسبي الأعلى عن السياحة الشتوية رصيدا تنافسيا ينبغي الحفاظ عليه وتسويقه بفاعلية، كما يبين البحث قيمة النماذج متعددة السمات في تشخيص اتجاهات المستهلكين تشخيصا مفصلا يتجاوز الانطباعات العامة السطحية، إذ يحدد بدقة أي المزايا يقدرها المستهلك وأي العيوب تقلقه، بما يوجه الاستثمار في تحسين التجربة السياحية إلى مواضعه الأكثر أثرا في قرار المستهلك وسلوكه الفعلي، وتبين النتائج أيضا أن استياء المستهلك من مزايا العرض الصيفي لا يعني رفض السياحة المحلية ذاتها بقدر ما يشير إلى فجوة بين ما يتوقعه المستهلك وما يجده فعليا في الأسعار والخدمات والازدحام، وهي فجوة قابلة للمعالجة بتحسينات محددة ترصدها أدوات القياس متعددة السمات بدقة، بخلاف الصورة الإيجابية للعرض الشتوي التي يمكن البناء عليها في حملات الترويج الداخلي وفي تمديد المواسم وربط المقاصد الشتوية والصيفية في عروض متكاملة على مدار العام
وخلاصة القول إن المستهلك البلغاري أكثر انجذابا إلى إيجابيات السياحة الترويحية المحلية الشتوية وأكثر انشغالا واستياء بسلبيات نظيرتها الصيفية البحرية، وإن تحسين تجربة السياحة البحرية المحلية ومعالجة عيوبها هو مفتاح رفع جاذبية السياحة المحلية عموما
