يأخذ الفقر وجوها متعددة لا تتوزع بالتساوي بين فئات المجتمع، إذ تواجه الأسر التي تعيلها النساء هشاشة خاصة تجعلها أكثر عرضة للوقوع في الفقر والبقاء فيه زمنا أطول، وهو ما يعرف في الأدبيات بتأنيث الفقر حيث تتقاطع قيود التعليم والعمل والوصول إلى الخدمات المالية لتضيق الخيارات المتاحة أمام المرأة المعيلة، فمحدودية الدخل وعدم استقرار فرص العمل وضعف الوصول إلى الأدوات المالية الرسمية عوامل تتضافر لتعميق الفجوة بين هذه الأسر وغيرها من الأسر، وتبرز الحاجة إلى أدلة تجريبية حديثة واسعة النطاق تبين محددات فقر الأسر بحسب النوع الاجتماعي حتى تبنى سياسات الحد من الفقر على فهم دقيق لمصادر الهشاشة ومواضع التدخل الأكثر جدوى وأثرا، وتنبع خصوصية حالة إندونيسيا من اتساع قاعدة أسرها وتنوع أقاليمها واقتصادها، ما يجعل دروس تجربتها قابلة للمقارنة مع بلدان نامية كثيرة تواجه التحدي ذاته، كما أن توافر مسح وطني واسع يتيح تتبع عوامل الفقر بدقة إحصائية نادرا ما تتوافر في دراسات الأسر، ويمنح صانع القرار قاعدة أدلة حديثة لا تقديرات قديمة، ومن ثم لا تقف قيمة الدراسة عند حدود التشخيص بل تمتد إلى ترتيب أولويات التدخل بين التعليم والمهارات الرقمية والخدمات المالية والتشغيل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى فحص تأنيث الفقر في إندونيسيا بالتركيز على أوجه الهشاشة المميزة التي تواجهها الأسر التي تعيلها النساء، والكشف عن المحددات المرتبطة بالنوع الاجتماعي لفقر الأسر ومقارنتها بمحددات فقر الأسر الأخرى، واعتمدت الدراسة على بيانات المسح الاجتماعي والاقتصادي الوطني لعام 2023 التي شملت 291231 أسرة من مختلف مناطق إندونيسيا، وطبقت نموذج الانحدار اللوجستي لدراسة محددات حالة الفقر لدى الأسر مع إبراز الفروق المرتبطة بكون رب الأسرة امرأة، فأتاح حجم العينة الكبير تقديرات دقيقة لأثر التعليم ومحو الأمية الرقمية والشمول المالي وقطاع العمل في احتمال وقوع الأسرة في الفقر، فجمعت الدراسة بذلك بين سعة التغطية الجغرافية لمجتمع الدراسة ودقة التحليل الإحصائي في إطار واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
١- تبين أن التعليم ومحو الأمية الرقمية والشمول المالي وقطاع العمل عوامل دالة تؤثر في حالة الفقر لدى الأسر الإندونيسية، وتفسر جانبا مهما من تباين احتمالات الفقر بينها
٢- تواجه الأسر التي تعيلها النساء مخاطر فقر أعلى بصورة غير متناسبة مقارنة بغيرها من الأسر، بما يؤكد خصوصية هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية
٣- تعود هذه الفجوات أساسا إلى عوائق بنيوية في الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، وفجوات في محو الأمية الرقمية، وفرص محدودة متاحة للنساء في سوق العمل
٤- تسهم الدراسة بأدلة تجريبية واسعة من إندونيسيا في النقاش الدائر حول النوع الاجتماعي والفقر، وتقدم رؤى قابلة للتطبيق العملي في تطوير استراتيجيات شاملة للتخفيف من الفقر
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أهمية تدابير سياساتية مراعية للنوع الاجتماعي تستهدف مواضع الهشاشة ذاتها، وفي مقدمتها التعليم الموجه للنساء، وتعزيز التدريب على محو الأمية الرقمية، وبرامج الشمول المالي الشاملة التي تصل فعليا إلى النساء المعيلات، فمعالجة العوائق البنيوية في الوصول إلى التمويل والمهارات الرقمية وفرص العمل أجدى من التدخلات العامة التي لا تميز بين فئات الأسر وخصوصية أوضاعها، كما تفيد النتائج مخططي برامج الحماية الاجتماعية والتنمية المحلية في توجيه الدعم والخدمات إلى الفئات الأشد عرضة للفقر والأقل قدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية، ويستدعي ذلك تنسيقا بين جهات التعليم والاتصالات والقطاع المالي والمحليات بحيث تصل البرامج إلى الأسر المستهدفة حيث تعيش وتعمل، وبناء نظم متابعة تقيس أثر كل برنامج في خفض فقر هذه الأسر تحديدا لا في المتوسطات الوطنية العامة التي قد تخفي استمرار هشاشتها رغم تحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد
وخلاصة القول إن فقر الأسر التي تعيلها النساء في إندونيسيا ظاهرة ذات جذور بنيوية تغذيها فجوات التعليم والمهارات الرقمية والشمول المالي وفرص العمل، وإن سياسات مراعية للنوع الاجتماعي تعالج هذه الفجوات من جذورها هي الطريق الأقصر والأعدل إلى حد فاعل من الفقر
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2227-7099/13/8/240
DOI: 10.3390/economies13080240
