شهدت إسبانيا في السنوات الأخيرة تحولًا معياريًا مهمًا، إذ وسعت القوانين الجديدة المتعلقة بالمساواة والتعايش وحوكمة الجامعات المسؤوليات المؤسسية في تعزيز الإدماج ومنع التمييز، في انعكاس لتغيرات أوسع في تركيبة طلاب التعليم العالي
ويبرز هذا التحول الحاجة إلى مقاربة أشمل للإدماج، تتجاوز التركيز التقليدي على الإعاقة وحدها، وتأخذ في الحسبان تقاطع أشكال اللامساواة المختلفة التي يعيشها الطلاب في حياتهم اليومية داخل الجامعة وخارجها
وتتناول هذه الدراسة الكيفية التي تتفاعل بها الأطر المؤسسية وفاعلية الطلاب في دفع التغيير التنظيمي داخل التعليم العالي، وتفحص العلاقة بين السياسات الصادرة من الأعلى والمبادرات الصاعدة من الأسفل في تشكيل فهم الإدماج وممارساته
ويأتي هذا التحول في سياق أوروبي أوسع يشهد إعادة تعريف لمفهوم الإدماج في التعليم العالي، مع تزايد تنوع الطلاب من حيث الخلفيات الاجتماعية والثقافية والقدرات، وهو ما يضع الجامعات أمام تحديات جديدة تتجاوز توفير الخدمات الفردية إلى إعادة التفكير في ثقافتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهج دراسة حالة نوعية في جامعة كاتالونية، وجمعت بين تحليل السياسات، وثماني ورش تشاركية حول اللامساواة والإدماج شارك فيها أكثر من 150 طالبًا، وتحليل العام الأول من عمل وحدة المساواة والتنوع في الجامعة
وشمل تحليل الوحدة مراجعة أنواع الطلبات والحالات التي أدارتها، إضافة إلى مقابلات شبه منظمة مع الموظفين المسؤولين عن تنفيذ خطط دعم الطلاب وتنسيق جهود الإدماج، بهدف فهم التفاعل بين الأطر التنظيمية والمبادرات الطلابية عبر المستويات التنظيمية المختلفة
وجمعت الدراسة بين ثلاثة مصادر للأدلة، هي تحليل السياسات الرسمية، وثماني ورش تشاركية حول اللامساواة والإدماج شارك فيها أكثر من 150 طالبًا، وتحليل العام الأول من عمل وحدة المساواة والتنوع، بما في ذلك أنواع الطلبات والحالات ومقابلات شبه منظمة مع الموظفين المعنيين بتنفيذ خطط الدعم
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أشارت النتائج إلى توترات مستمرة بين الالتزامات التنظيمية والحياة الجامعية اليومية، إذ لا تُترجم النصوص القانونية تلقائيًا إلى ممارسات متسقة داخل الأقسام والكليات
النتيجة الثانية: أظهرت الدراسة أن سياسات الإدماج تُفسَّر ويُتفاوض عليها وتُمارَس بطرق مختلفة عبر المستويات التنظيمية، وهو ما يجعل الإدماج عملية تفاوض مستمرة لا تطبيقًا آليًا لقواعد جاهزة
النتيجة الثالثة: كشفت النتائج عن أشكال ناشئة من الفاعلية الجماعية داخل منظومات جامعية متزايدة التعقيد، إذ يتحول الطلاب من متلقين للسياسات إلى مشاركين في صياغتها وتوجيهها
النتيجة الرابعة: تسهم الدراسة في النقاشات الجارية حول إضفاء الطابع المؤسسي على التقاطعية، من خلال إبراز الكيفية التي تتفاعل بها الأطر المؤسسية مع فاعلية الطلاب في إعادة تعريف الإدماج داخل الجامعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتفيد هذه النتائج إدارات الجامعات وصانعي السياسات التعليمية في تصميم وحدات للإدماج لا تكتفي بالامتثال الشكلي للقوانين، بل تبني قنوات حقيقية لمشاركة الطلاب في تشكيل السياسات التي تمس حياتهم
كما تفتح الدراسة آفاقًا للباحثين في التعليم العالي لدراسة التفاعل بين السياسات من الأعلى والمبادرات من الأسفل في سياقات وطنية أخرى، ومقارنة مسارات إضفاء الطابع المؤسسي على الإدماج عبر أنظمة جامعية مختلفة
ويمكن للبحوث المستقبلية مقارنة مسارات إضفاء الطابع المؤسسي على الإدماج عبر جامعات ودول مختلفة، وفحص الكيفية التي تتطور بها وحدات المساواة والتنوع مع مرور الزمن، ودور مشاركة الطلاب في تحويل الالتزامات الرسمية إلى ممارسات يومية مستدامة
كما يمكن لإدارات الجامعات الاستفادة من هذه النتائج في تقييم وحدات المساواة والتنوع لديها، من خلال مراجعة أنواع الطلبات والحالات التي ترد إليها، وقياس مدى مشاركة الطلاب الفعلية في صياغة السياسات، بدل الاكتفاء بمؤشرات الامتثال الشكلي للقوانين، مع متابعة دورية لمدى تحول المشاركة الطلابية من حضور شكلي إلى تأثير فعلي في القرارات
وخلاصة القول، الإدماج الجامعي لا يُبنى بالنصوص وحدها ولا بالمبادرات وحدها، بل بلقائهما وتفاوضهما المستمر داخل الحياة الجامعية اليومية
المصدر الأصلي: https://www.cogitatiopress.com/socialinclusion/article/view/11641
DOI: 10.17645/si.11641
