تُعد المقابلات القضائية مع الأطفال من أدق الممارسات المهنية في منظومة العدالة، إذ تتوقف جودة الشهادة ودقتها إلى حد كبير على صياغة أسئلة المحاور، وعلى قدرته على استخلاص معلومات صحيحة وذات صلة قضائية دون توجيه إجابات الطفل أو تلويث ذاكرته
وتتنافس في هذا الميدان بروتوكولات مقابلة متعددة، يبرز منها بروتوكول نيكد ومذكرة الممارسات الجيدة، ولكل منهما فلسفته في بناء المقابلة وتسلسل أسئلتها، وهو ما يجعل المقارنة التجريبية بينهما ضرورة علمية لتحديد أيهما أكثر فاعلية في الممارسة الفعلية
وتسعى هذه الدراسة التناظرية إلى مقارنة فاعلية البروتوكولين في استخلاص معلومات دقيقة وذات صلة قضائية من الأطفال، في ظروف مضبوطة تحاكي الواقع دون تعريض أطفال حقيقيين في قضايا فعلية لضغوط البحث
وتكتسب هذه المقارنة أهمية عملية مباشرة، لأن الشهادات التي تُستخلص من الأطفال قد تحسم مصير قضايا جنائية حساسة، وأي خلل في صياغة الأسئلة قد يؤدي إلى معلومات ناقصة أو مشوهة، وهو ما يجعل اختيار البروتوكول الأنسب قرارًا ذا تبعات قضائية وإنسانية جسيمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
شارك في الدراسة 123 طفلًا، منهم 60 طفلًا تراوحت أعمارهم من ستة إلى سبعة أعوام و63 طفلًا تراوحت أعمارهم من عشرة إلى أحد عشر عامًا، وخضعوا جميعًا لحدث مفتعل ثم لمقابلة مؤجلة أُجريت وفق إرشادات نيكد أو إرشادات مذكرة الممارسات الجيدة
وكان المحاورون من طلاب الدراسات العليا الذين تلقوا تدريبًا خاصًا بكل بروتوكول، ثم رُمزت نصوص المقابلات بحسب نوع السؤال وكمية التفاصيل المستخلصة ودقتها وأهميتها، وحُللت البيانات بنماذج خطية مختلطة معممة
وخضع الأطفال جميعًا لحدث مفتعل موحد، ثم لمقابلة مؤجلة وفق أحد البروتوكولين، على أيدي محاورين من طلاب الدراسات العليا تلقوا تدريبًا خاصًا بكل بروتوكول، ثم رُمزت نصوص المقابلات بحسب نوع السؤال وكمية التفاصيل ودقتها وأهميتها، وحُللت بنماذج خطية مختلطة معممة تراعي التباين الفردي بين الأطفال
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أثمرت المقابلات التي أُجريت وفق بروتوكول نيكد تفاصيل أكثر إجمالًا، وتفاصيل صحيحة ومركزية وهامشية أكثر، ولا سيما عبر الدعوات المفتوحة والدعوات الموجهة التي تتيح للطفل سرد ما يتذكره بحرية نسبية
النتيجة الثانية: كانت الأسئلة المطروحة بصيغة الخيارات هي الأقل فاعلية، إذ أثمرت أقل عدد من التفاصيل الصحيحة والهامشية، وهو ما يؤكد أن تضييق خيارات الإجابة يحد من غنى الشهادة ودقتها معًا
النتيجة الثالثة: تضاءلت الفروق العمرية في الإنتاجية والدقة بعد ضبط إفادة أنواع الأسئلة، أي أن نوع السؤال يفسر جزءًا كبيرًا مما كان يُنسب عادة إلى العمر وحده
النتيجة الرابعة: لوحظ أن الأسئلة الخيارية استُخدمت بكثرة في الحالتين، بما في ذلك المقابلات الموجهة ببروتوكول نيكد، وهو ما يكشف عن فجوة بين التدريب النظري والممارسة الفعلية للمحاورين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتؤكد النتائج الدور الحاسم لصياغة الأسئلة في تشكيل السرد لدى الأطفال، وتدعم أفضلية بروتوكول نيكد النسبية في استخلاص تفاصيل أدق وأغنى، وهو ما يمنح المؤسسات القضائية أساسًا تجريبيًا لاختيار بروتوكولاتها التدريبية
كما تشير الدراسة إلى الحاجة إلى تعزيز تدريب المحاورين للحد من الاعتماد على أنواع الأسئلة الأقل فاعلية، وتعزيز الممارسات الفضلى في المقابلات التحقيقية مع الأطفال
ويمكن للبحوث المستقبلية اختبار فاعلية البروتوكولين في سياقات قضائية فعلية ومع فئات عمرية أوسع، وفحص أثر برامج تدريبية مكثفة في تقليل اعتماد المحاورين على الأسئلة الخيارية، بما يعزز نقل النتائج من المختبر التناظري إلى قاعات التحقيق الحقيقية
وعلى مستوى السياسات القضائية، يمكن للنتائج أن توجه برامج اعتماد المحاورين ومعايير جودة المقابلات، بحيث تُقاس كفاءة المحاور بقدرته على توظيف الدعوات المفتوحة والموجهة، وتُحدّ من الاعتماد على الأسئلة الخيارية، بما يرفع جودة الأدلة المستخلصة من الأطفال
وخلاصة القول، شهادة الطفل لا تصنعها ذاكرته وحده بل يصنعها كذلك سؤال المحاور، والاستثمار في صياغة الأسئلة هو استثمار مباشر في عدالة الإجراءات وحماية الأطفال معًا
