لعبت كندا دورًا محوريًا في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وكانت أول دولة في العالم تدمج نظام روما الأساسي في قانونها المحلي حين أقرت قانون الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في الرابع والعشرين من يونيو عام 2000، ويتيح هذا القانون تطبيق الولاية القضائية العالمية لمقاضاة المسؤولين عن جرائم الفظائع الموجودين في كندا، غير أن سجل كندا في مقاضاة وإدانة المسؤولين عن هذه الجرائم بموجب هذا القانون بعيد كل البعد عن التميز، إذ تجنبت القيام بدور قيادي في هذا المجال رغم ريادتها التشريعية، ويحلل هذا المقال أسباب هذا التقصير وما يترتب عليه لمستقبل العدالة الدولية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
يهدف المقال إلى تحليل الأساس المنطقي للحكم في قضيتين رائدتين شكلتا سابقة قضائية في كندا، وهما القضيتان الوحيدتان اللتان حوكم فيهما مسؤولون عن جرائم الفظائع بموجب الولاية القضائية العالمية، ويركز التحليل على مصداقية الأدلة الشهادية وجدارة الشهود بالثقة بوصفهما الأساس الذي قام عليه الحكم في كلتا القضيتين، وينظر كذلك في عوامل أخرى تعيق التحقيق الجنائي والمقاضاة في مثل هذه القضايا، ويطرح السؤال الجوهري حول إمكانية إنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية وتعزيز العدالة الدولية حين تتقاعس الدول عن المقاضاة والإدانة
ثانيًا: أبرز النتائج
أولًا، بيّن المقال أن كندا لم تحاكم حتى الآن سوى قضيتين فقط لجرائم الفظائع بموجب الولاية القضائية العالمية، رغم أنها كانت أول دولة تدمج نظام روما الأساسي في قانونها المحلي، بما يكشف فجوة واسعة بين الريادة التشريعية والممارسة الفعلية
ثانيًا، أوضح المقال أن القضية الأولى انتهت بإدانة في عام 2009، وبرفض استئنافها من محكمة استئناف كيبيك في السابع من مايو عام 2014، بينما انتهت القضية الثانية بتبرئة من المحكمة العليا في أونتاريو في الخامس من يوليو عام 2013، بما يجعل الحصيلة إدانة واحدة وتبرئة واحدة
ثالثًا، أظهر التحليل أن الأساس المنطقي للحكم في القضيتين الرائدتين يقوم على مصداقية الأدلة الشهادية وجدارة الشهود بالثقة، فنجاح المقاضاة أو فشلها يتوقفان إلى حد كبير على قوة الشهادات المقدمة أمام المحكمة
رابعًا، خلص المقال إلى أن كندا، بدل أن تقود جهود مقاضاة المسؤولين عن جرائم الفظائع، تجنبت القيام بذلك، بما يثير تساؤلًا جوهريًا حول إمكانية إنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية حين تتقاعس الدول عن المقاضاة والإدانة عبر الولاية القضائية العالمية
خامسًا، دعا المقال الدول إلى تخصيص تمويل كاف للتحقيقات الجنائية والمقاضاة بموجب الولاية القضائية العالمية، وإلى تطوير أساليب أكثر دقة وتفصيلًا وتطورًا لجمع الأدلة الشهادية الموثوقة وتقديمها في مقاضاة هذه الجرائم الدولية الخطيرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالة المقال في أنه يضع قضية الولاية القضائية العالمية في إطارها العملي لا النظري، فالنصوص التشريعية المتقدمة لا تكفي وحدها ما لم تقترن بإرادة سياسية وتمويل كاف وخبرة تحقيقية في جمع الأدلة الشهادية في سياقات النزاع، كما أن المقال يهم المدعين العامين ومنظمات حقوق الإنسان والدول التي تدرس تفعيل ولايتها العالمية، لأنه يبين أن العقبة الحقيقية ليست غياب القانون بل صعوبة الإثبات، وأن الاستثمار في منهجيات جمع الأدلة وتوثيقها هو الطريق الواقعي لتحويل الالتزام بالعدالة الدولية من شعار إلى أحكام إدانة، كما أن المقال يلفت الانتباه إلى أن الشهود في قضايا الفظائع غالبًا ما يكونون ضحايا وناجين، بما يجعل حمايتهم ودعمهم النفسي والقانوني جزءًا من نجاح المقاضاة، لا مجرد إجراء شكلي، وأن بناء الثقة مع المجتمعات المتضررة هو الأساس الذي تقوم عليه شهادات جديرة بالتصديق أمام المحاكم
وخلاصة القول، إن تجربة كندا درس صريح في حدود التشريع بلا تنفيذ، فقانون رائد أُقر عام 2000 لم يثمر سوى قضيتين، والمقال يطالب الدول بأن تترجم التزاماتها إلى تمويل وتحقيق وأدلة جديرة بالثقة، لأن العدالة الدولية لا تُبنى بالنصوص وحدها بل بالإرادة والأدوات التي تجعل الإفلات من العقاب مستحيلًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2075-471X/15/4/63
DOI: 10.3390/laws15040063
