تتواصل الحكومات مع جمهورها عبر الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد، غير أن أبحاث الإعلام والاتصال ركزت على غرف الأخبار والمنصات، تاركة التواصل الحكومي الوسيط خوارزميًا دون تنظير كاف، وتسعى الدراسة إلى سد هذه الفجوة بسؤال محوري عن الكيفية التي تبني بها الدولة مؤسسيًا تواصلها الاستراتيجي المعزز بالذكاء الاصطناعي وتنسقه وتحاسب عليه، ويُقصد بالتواصل الاستراتيجي المعزز بالذكاء الاصطناعي هنا الاستخدام المقصود والمنسق مؤسسيًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي من قبل الجهات الحكومية لإعلام الجمهور وإقناعه والإصغاء إليه وبناء العلاقات معه، وهو تعريف يضع الدولة فاعلًا تواصليًا لا مجرد مستخدم للتقنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى تطوير إطار أغورا، وهو إطار يتألف من البنية والتوليد والتنسيق والاستجابة والمساءلة، ويتصور منظومة التواصل الحكومي الوسيط بالذكاء الاصطناعي بوصفها ساحة عامة خوارزمية، ويشتق الإطار ست قضايا مقترحة بوصفها توقعات نظرية للاختبار اللاحق لا علاقات مختبرة في الدراسة نفسها، ويعتمد البحث تحليلًا موضوعيًا تأمليًا من ست مراحل، وفق بروتوكول بحث وفرز موثق، طُبق على مدونة من أربعة وثلاثين وثيقة إماراتية ومقارنة تغطي الفترة من عام 2017 إلى عام 2026
وتتميز الدراسة بصرامة منهجية إضافية، إذ صُنف كل مؤشر كمي فيها على سجل إثبات من خمس درجات يميز بين القانون الملزم والهدف السياسي والأداء المبلغ عنه رسميًا والمعيار المنتج باستقلال والادعاء غير القابل للتتبع، بما يتيح للقارئ تمييز ما هو مثبت قانونًا مما هو هدف معلن أو أداء تبلغ عنه الجهة نفسها أو ادعاء لا يمكن التحقق منه
ثانيًا: أبرز النتائج
1، يبرز الموضوع الأول بنية حوكمة متعددة الطبقات، تستند فيها الضمانات التواصلية إلى الاستراتيجية والتوجيه الأخلاقي غير الملزم، لأن قانون حماية البيانات الاتحادي يستثني الجهات الحكومية من نطاقه، وهو ما يجعل الالتزام الأخلاقي بديلًا عن الإلزام القانوني في هذا المجال
2، يوثق الموضوع الثاني آليات التواصل الخوارزمي المعتمدة لدى الدولة، أي الكيفية التي تُبنى بها الرسائل وتُنسق وتُخصص عبر الأنظمة الذكية، بما يكشف عن منظومة تواصلية تعمل بدرجة عالية من الأتمتة والتنسيق المؤسسي
3، يعرض الموضوع الثالث الأداء القطاعي المبلغ عنه رسميًا مع إثبات مصدره، بما يتيح التمييز بين ما هو أداء موثق وما هو ادعاء مؤسسي، وهو تمييز جوهري في تقييم الخطاب الحكومي حول التحول الرقمي
4، يقدم الموضوع الرابع مقارنة مرجعية سياقية مع سنغافورة وجمهورية كوريا، بما يضع التجربة الإماراتية في منظور مقارن يكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في حوكمة التواصل الحكومي المعزز بالذكاء الاصطناعي
5، تظهر النتائج إجمالًا أن الدولة الإماراتية تعمل فاعلًا تواصليًا في الواجهة الأمامية، تُبنى أجندتها وتُخصص رسائلها وتُعزز استجابتها حسابيًا، كما تحدد الدراسة بدقة المواضع التي تتجاوز فيها الادعاءات المؤسسية حدود التحقق المستقل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامات ثلاثة، أولها إطار قابل للنقل إلى سياقات دولية أخرى، وثانيها مسار نضج من أربع مراحل لتطور التواصل الحكومي المعزز بالذكاء الاصطناعي، وثالثها بروتوكول إثبات يمكن للباحثين توظيفه في دراسة التواصل الحكومي الوسيط خوارزميًا، غير أن الدراسة تحذر من حدود تصميمها الوثائقي، إذ تظل نتائج التفاعل العام والثقة ونتائج التنمية المستدامة توقعات خارج الإطار لا نتائج مثبتة تجريبيًا، وهو تحفظ منهجي يزيد من وثوق النتائج بدلًا من إضعافها
وتكمن قيمة بروتوكول الإثبات في أنه يمنح الباحثين لغة مشتركة لتقييم الادعاءات المؤسسية، فلا تُعامل الأهداف المعلنة بوصفها إنجازات محققة، ولا تُقبل الأرقام المبلغ عنها رسميًا دون فحص مصدرها ودرجة وثوقها، بما يعزز الشفافية في دراسة التواصل الحكومي ويحد من تضخم الخطاب حول التحول الرقمي
وخلاصة القول إن الدراسة تفتح مجالًا بحثيًا جديدًا لفهم الدولة بوصفها فاعلًا تواصليًا خوارزميًا، وتزود الباحثين وصناع السياسات بأدوات دقيقة لتمييز الخطاب الموثق عن الادعاء غير القابل للتحقق، في وقت باتت فيه الخوارزميات وسيطًا أساسيًا بين الدولة وجمهورها
