تؤثر جودة الحوكمة الوطنية في سلوك الشركات على نحو عميق، ولا سيما في الأسواق الحدودية التي تعيش ظروف نزاع وعدم استقرار، حيث تتشابك العوامل المؤسسية الكلية مع قرارات الشركات الدقيقة، ومن بينها قرارات الإنفاق على المسؤولية الاجتماعية للشركات بوصفها استثمارًا حقيقيًا في العمليات الاجتماعية والبيئية
تفحص هذه الورقة العلاقة بين جودة الحوكمة على المستوى الوطني وأداء المسؤولية الاجتماعية للشركات المدرجة في فلسطين، وتختبر ست فرضيات تقابل أبعاد مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي، وهي الصوت والمساءلة والاستقرار السياسي وغياب العنف وفعالية الحكومة وجودة التنظيم وسيادة القانون والسيطرة على الفساد
وتحظى العلاقة بين الحوكمة والمسؤولية الاجتماعية باهتمام متزايد في أدبيات الإدارة والاقتصاد السياسي، لأنها تربط بين جودة المؤسسات العامة وسلوك الفاعلين الاقتصاديين، وتكشف كيف يمكن للبيئة المؤسسية أن تشجع السلوك المسؤول أو تثبطه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
استندت الدراسة إلى أطر نظرية الوكالة ونظرية أصحاب المصلحة ونظرية الشرعية، وقاست أداء المسؤولية الاجتماعية بنفقات المسؤولية الاجتماعية بوصفها الاستثمار النقدي الفعلي للشركات في العمليات الاجتماعية والبيئية
واستخدمت مجموعة بيانات لوحية غير متوازنة تضم 473 مشاهدة شركة وسنة من 43 شركة مدرجة في بورصة فلسطين خلال الفترة من 2014 إلى 2024، مع اعتماد الانحدار بالآثار الثابتة منهجًا رئيسيًا ونموذج العزوم المعممة المنهجي اختبارًا للمتانة
وتكتسب دراسة السياق الفلسطيني أهمية خاصة، لأن الأسواق الحدودية التي تعيش النزاع تختبر النظريات المؤسسية في ظروف قاسية، وتكشف عن آليات قد تظل خفية في البيئات المستقرة حيث تعمل المؤسسات بسلاسة أكبر
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أثر كل من الصوت والمساءلة والاستقرار السياسي وغياب العنف وفعالية الحكومة وسيادة القانون إيجابًا وبدلالة إحصائية في الإنفاق على المسؤولية الاجتماعية، مما يشير إلى أن تحسن البيئة المؤسسية يشجع الشركات على توسيع مساهماتها الاجتماعية
النتيجة الثانية: أثرت جودة التنظيم سلبًا وبدلالة إحصائية في الإنفاق على المسؤولية الاجتماعية، وهو ما يدعم نظرية الإحلال المؤسسي التي ترى أن قوة التنظيم الرسمي قد تحل محل المبادرات الطوعية للشركات
النتيجة الثالثة: لم تؤثر السيطرة على الفساد تأثيرًا ذا دلالة إحصائية في الإنفاق على المسؤولية الاجتماعية، وهو ما يلفت الانتباه إلى تعقيد العلاقة بين مكافحة الفساد وسلوك الشركات في سياق النزاع
النتيجة الرابعة: أكدت النتائج أن جودة المؤسسات الكلية تشكل أساسًا مؤثرًا في الأداء الجزئي للمسؤولية الاجتماعية، ولا سيما في البيئات المعرضة للنزاع حيث تتضاعف أهمية الاستقرار والثقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز النتائج أهمية تعزيز الحوكمة الوطنية بوصفها أساسًا لتشجيع مساهمات الشركات في التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية، مع تعزيز دور القطاع الخاص في تحقيق الأهداف الأوسع
وتقدم الدراسة دليلًا عمليًا لصانعي السياسات والمستثمرين على أن الإصلاح المؤسسي ليس شأنًا إداريًا مجردًا بل محركًا مباشرًا للسلوك المسؤول للشركات ولقدرتها على الإسهام في مجتمعاتها
وتفيد النتائج الباحثين في فهم حدود النظريات المؤسسية، إذ تبين أن أبعاد الحوكمة لا تعمل بالاتجاه نفسه دائمًا، وأن بعضها قد يحل محل المبادرات الطوعية بدل تعزيزها، وهو ما يدعو إلى سياسات دقيقة تراعي هذا التفاعل المعقد
وتفتح النتائج أسئلة جديدة حول دور الإفصاح والشفافية في تعزيز المسؤولية الاجتماعية، وعن الكيفية التي يمكن بها للشركات في الأسواق الحدودية تحويل القيود المؤسسية إلى فرص للتميز والثقة لدى أصحاب المصلحة والمجتمع المحلي على حد سواء
وتؤكد الدراسة أن الاستثمار في الحوكمة يعود بالنفع على الشركات نفسها، إذ يمنحها بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على التخطيط الطويل، ويعزز ثقة المستثمرين والمجتمع في آن واحد
وخلاصة القول، تؤكد هذه الدراسة أن الحوكمة الجيدة والمسؤولية الاجتماعية ليستا مسارين منفصلين بل حلقتان متصلتان، فحين تستقر المؤسسات وتُحترم القواعد تجد الشركات حافزًا أقوى للاستثمار في مجتمعها وبيئتها
المصدر الأصلي: https://link.springer.com/article/10.1007/s43621-026-05068-7
DOI: 10.1007/s43621-026-05068-7
