تُعد السياحة من أسرع القطاعات الاقتصادية نموًا على مستوى العالم، وقد تحولت في كثير من الدول إلى ركيزة أساسية للدخل الوطني وفرص العمل والعملات الأجنبية، غير أن هذا النمو المتسارع يثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول حدوده البيئية والاجتماعية وقدرة المجتمعات المحلية على تحمله، وتبرز آيسلندا حالة لافتة في هذا السياق، إذ شهدت خلال سنوات قليلة طفرة سياحية كبيرة جعلت القطاع في صدارة اقتصادها الوطني، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي تحلل الأثر الاقتصادي للسياحة في آيسلندا، وتقف على إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف وعائدات العملات الأجنبية، وتناقش في الوقت نفسه ما يكتنف هذا الاعتماد من هشاشة بنيوية وضغوط بيئية ومجتمعية متصاعدة تستدعي إعادة التفكير في نموذج التنمية السياحية برمته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل الأثر الاقتصادي للسياحة في آيسلندا تحليلًا شاملًا، يرصد إسهام القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وفي توفير فرص العمل وفي عائدات العملات الأجنبية، ويقيم مسار تطوره ومرونته وقدرته على الاستدامة في السياقين العالمي والوطني، واعتمدت الدراسة في ذلك على تحليل البيانات الثانوية الوصفي والمقارن، مستندة إلى الإحصاءات المتاحة وإلى مراجعة موسعة للأدبيات العلمية ذات الصلة، بما أتاح تتبع تطور القطاع عبر الزمن ومقارنة أدائه بغيره من القطاعات الاقتصادية التقليدية، كما أولت الدراسة اهتمامًا خاصًا للأبعاد غير الاقتصادية، فتوقفت عند الضغوط المتنامية المرتبطة بفرط السياحة والموسمية والتدهور البيئي، ولا سيما في المناطق الحساسة بيئيًا، وعند ما تطرحه الأدبيات الحديثة وتحولات السياسات من توجهات نحو مؤشرات للاستدامة وآليات ضريبية عادلة وحوكمة تشاركية توجه التنمية السياحية في البلاد
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أكدت النتائج أن السياحة ركيزة أساسية في اقتصاد آيسلندا، إذ تجاوزت في قيمتها الصناعات التصديرية التقليدية، وأسهمت في توليد فرص عمل واسعة وفي دعم عائدات البلاد من العملات الأجنبية، بما جعلها في مقدمة مصادر الدخل الوطني ومحركًا رئيسًا للنمو الاقتصادي في البلاد خلال السنوات الأخيرة
النتيجة الثانية: كشف التحليل عن هشاشة بنيوية تهدد استدامة هذا النمو، فقد أظهرت جائحة كورونا تقلب القطاع وسرعة تأثره بالصدمات الخارجية، كما أن اعتماده الكبير على الأسواق الدولية يجعله عرضة للتقلبات العالمية التي لا يملك التحكم فيها، وهو ما يعرض الاقتصاد الوطني بأسره لمخاطر التركز في قطاع واحد
النتيجة الثالثة: رصدت الدراسة ضغوطًا متزايدة تتجاوز الجانب الاقتصادي، في مقدمتها فرط السياحة وتركز الموسمية وما يصاحبهما من تدهور بيئي، وبخاصة في المناطق الحساسة بيئيًا، وهي ضغوط تنعكس على رفاه المجتمعات المحلية وعلى جودة التجربة السياحية ذاتها وعلى استدامة الموارد الطبيعية التي تقوم عليها جاذبية البلاد
النتيجة الرابعة: أبرزت الأدبيات الحديثة وتحولات السياسات توجهًا متناميًا نحو اعتماد مؤشرات واضحة للاستدامة، وآليات ضريبية أكثر عدالة في توزيع أعباء النشاط السياحي ومنافعه، وحوكمة تشاركية تشرك المجتمعات المحلية وأصحاب المصلحة في توجيه التنمية السياحية، بوصفها شروطًا لاستمرار القطاع على أسس سليمة ومتوازنة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة لصناع السياسات وأصحاب المصلحة والباحثين، إذ تؤكد أن الموازنة بين النمو الاقتصادي وحدود البيئة ورفاه المجتمع شرط أساسي لبناء نموذج سياحي أكثر مرونة وقدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، كما تدعو إلى مواءمة الاستراتيجيات السياحية مع أهداف الاستدامة والتنويع الاقتصادي حتى لا يبقى الاقتصاد الوطني رهينًا لقطاع واحد متقلب، ويمكن للباحثين الإفادة من هذه الدراسة في تطوير مؤشرات لقياس الأثر الاقتصادي والبيئي للسياحة في السياقات المشابهة، وفي دراسة تجارب الدول التي نجحت في إدارة النمو السياحي دون الإضرار ببيئتها ومجتمعاتها المحلية، كما تفتح الدراسة الباب أمام بحوث ميدانية تقيس اتجاهات المجتمعات المحلية نحو السياحة وتوزيع عوائدها بين المناطق والفئات المختلفة
وخلاصة القول إن تجربة آيسلندا تقدم درسًا مزدوجًا، فهي تبرز ما يمكن أن تحققه السياحة من مكاسب اقتصادية كبيرة حين تدار بكفاءة، وتكشف في الوقت نفسه أن استدامة هذه المكاسب مرهونة باحترام حدود البيئة وحقوق المجتمع المحلي، وبتنويع مصادر الدخل الوطني، وبذلك تظل السياحة فرصة تنموية واعدة متى أُحسنت إدارتها ضمن رؤية متوازنة بعيدة المدى
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2673-5768/6/2/119
DOI: 10.3390/tourhosp6020119
