تتمتع الشركات عادة بقدرة أعلى على التكيف حين تمتلك موارد شبه داخلية تتمثل في التحالفات الاستراتيجية والشراكات طويلة الأجل والشبكات التعاونية، غير أن فعالية هذه الموارد قد تتقوض في مواقف الأزمات بفعل اضطرابات سلاسل الإمداد وتوتر الشراكات وتقلب ظروف السوق، وفي حالات الطوارئ واسعة النطاق تجد الشركة نفسها أمام مفاضلة دقيقة بين الالتزام بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه مجتمعها وأصحاب المصلحة فيها وبين متابعة ابتكار الأعمال بوصفهما مطلبين يتنافسان على موارد محدودة، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى تفسير كيفية تأثير الموارد شبه الداخلية في أداء الشركة عبر هذه المفاضلة، مع تركيز خاص على الدور المعدِّل لعدم يقين بيئة السوق في العلاقات المدروسة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
بنت الدراسة نموذجًا نظريًا مستندًا إلى نظرية الاعتماد على الموارد، واختبرت فروضها باستخدام نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية على بيانات 397 استبانة صالحة جُمعت من شركات متنوعة، وفحصت العلاقات المباشرة بين الموارد شبه الداخلية وأداء الشركة أثناء الطوارئ واسعة النطاق، والأدوار الوسيطة لأبعاد المفاضلة بين المسؤولية الاجتماعية وابتكار الأعمال وهي آليات التحفيز والتعديلات الاستراتيجية وعمليات صنع القرار، إلى جانب الدور المعدِّل لعدم يقين بيئة السوق في العلاقات بين الموارد شبه الداخلية وأبعاد المفاضلة المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
1- لا تعزز الموارد شبه الداخلية أداء الشركة تعزيزًا مباشرًا أثناء حالات الطوارئ واسعة النطاق رغم قيمتها التكيفية المعتادة في الظروف العادية
2- تؤدي هذه الموارد دورًا حاسمًا في تقوية المفاضلة بين المسؤولية الاجتماعية وابتكار الأعمال، ولا سيما عبر التعديلات الاستراتيجية وعمليات صنع القرار اللتين توسطان أثرها في الأداء توسيطًا دالًا
3- لا تتوسط المفاضلة في آليات التحفيز العلاقة بين الموارد شبه الداخلية وأداء الشركة توسيطًا ذا دلالة إحصائية
4- يعدِّل عدم يقين بيئة السوق تعديلًا إيجابيًا العلاقة بين الموارد شبه الداخلية والمفاضلة في آليات التحفيز وعمليات صنع القرار، بينما لا يؤثر تأثيرًا دالًا في علاقة الموارد بالتعديلات الاستراتيجية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج أهمية إدارة الموارد إدارة استراتيجية واعية للحفاظ على أداء الشركة وسط عدم اليقين، فالشراكات والتحالفات لا تثمر تلقائيًا في الأزمات وإنما عبر قدرة الإدارة على إعادة الموازنة بين الوفاء الاجتماعي ومواصلة الابتكار من خلال تعديلات استراتيجية مرنة وعمليات صنع قرار محسوبة، كما تنبه صانعي القرار إلى أن أثر عدم اليقين ليس منتظمًا عبر أبعاد المفاضلة المختلفة بل يتركز في آليات التحفيز وصنع القرار، بما يسمح بتوجيه الانتباه الإداري إلى الحلقات الأشد حساسية لتقلبات السوق أثناء الطوارئ الكبرى، ويثري في الوقت نفسه نظرية الاعتماد على الموارد بأدلة عن حدود الدور المباشر للموارد الخارجية شبه الداخلية
وتتحدث هذه النتائج إلى أدبيات إدارة الأزمات التي طالما أكدت أن المرونة التنظيمية لا تُبنى لحظة وقوع الأزمة بل تُراكم قبلها في صورة علاقات وشراكات وثقة متبادلة، غير أنها تضيف إلى هذه الأدبيات تمييزًا دقيقًا بين امتلاك الموارد وبين توظيفها عبر قرارات استراتيجية تعيد ترتيب الأولويات تحت الضغط، فكثير من الشركات امتلكت شراكات واسعة وانهارت مع أول صدمة لأنها لم تمتلك آلية الموازنة الداخلية بين متطلبات البقاء القصير ومتطلبات النمو الطويل، كما تلقي الدراسة ضوءًا على البعد الأخلاقي للأزمات، إذ تصبح المسؤولية الاجتماعية في زمن الطوارئ اختبارًا حقيقيًا لقيم الشركة لا شعارًا تسويقيًا، ويحاسبها عليه المجتمع والعملاء طويلًا بعد انقضاء الأزمة، ما يجعل الاستثمار في الشراكات والقرارات الرشيدة استثمارًا في سمعة تتجاوز المحنة ذاتها
وخلاصة القول إن الموارد شبه الداخلية مورد كامن لا يتحول إلى أداء متفوق في الطوارئ إلا عبر مفاضلة واعية بين المسؤولية الاجتماعية وابتكار الأعمال، وقد بينت الدراسة اعتماد هذا التحول على التعديلات الاستراتيجية وعمليات صنع القرار وسيطين رئيسين، وعلى مستوى عدم يقين السوق معدِّلًا انتقائيًا، بما يقدم إطارًا عمليًا لإدارة الشركات في زمن الأزمات الكبرى يستثمر الشراكات توظيفًا استراتيجيًا لا تلقائيًا
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/21/9485
DOI: 10.3390/su16219485
