تحظى السياحة الحلال المجتمعية باهتمام متزايد في الدول التي تسعى إلى تنمية قطاعاتها السياحية وفق قيم مجتمعاتها المحلية، إذ تجمع هذه الصيغة بين إشراك المجتمع المحلي في إدارة النشاط السياحي وتقديم خدمات تراعي الضوابط الشرعية في المأكل والإقامة والترفيه، وفي الوقت نفسه تتقاطع مع تحول رقمي واسع يعيد تشكيل طرائق تسويق الوجهات وتقديم المعلومات للسائحين، ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسات تمزج بين فهم تصورات السائحين تجاه مكونات المنتج السياحي وبين التحليل الاستراتيجي لبيئة الوجهة الداخلية والخارجية، وهو ما سعت إليه هذه الدراسة في قرية سياحية حلال مجتمعية، مستهدفة بناء استراتيجية تنموية مستدامة تستند إلى أدلة ميدانية كمية ونوعية في آن واحد، وتستفيد من تقنية المعلومات في الارتقاء بالخدمة والترويج
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة المنهج المختلط الذي يجمع بين الأسلوبين النوعي والكمي، ففي الشق النوعي استخدمت المقابلات المتعمقة والملاحظة الميدانية للتعرف على واقع القرية وإمكاناتها، وفي الشق الكمي وُزعت استبانة مكوّنة من 82 مفردة على 202 سائح لقياس تصوراتهم وفق المكونات الأربعة للمنتج السياحي وهي عوامل الجذب وإمكانية الوصول والمرافق والخدمات المساندة، ثم وُظّف تحليل العوامل الاستراتيجية الداخلية والخارجية ومصفوفة العلاقة بينهما لتحديد الموقع الاستراتيجي للقرية، وأُجري تحليل نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات بالاستناد إلى محركات التنمية ومعوقاتها من المنظورات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والثقافية، بما يربط بين القياس الميداني والتخطيط الاستراتيجي ربطًا منهجيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
1- جاءت تصورات السائحين إيجابية عمومًا تجاه عوامل الجذب وإمكانية الوصول والخدمات المساندة في القرية المدروسة
2- جاءت التصورات تجاه خدمات المرافق أقل إيجابية مقارنة ببقية المكونات، ما يشير إلى أولوية تطويرها في خطط التنمية
3- بلغ مجموع الدرجات المرجحة للعوامل الداخلية 2.68، وبلغ مجموع الدرجات المرجحة للعوامل الخارجية 2.83
4- دلّت مصفوفة العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية على أن الاستراتيجية الملائمة للقرية هي استراتيجية النمو المكثف انطلاقًا من موقع يجمع بين مواطن القوة والفرص المتاحة
5- حدد التحليل تقنيات رئيسة منها توظيف تقنية المعلومات في الخدمة والترويج، وتعزيز أدوار المجتمع والحكومة، وتطوير البنية التحتية والمرافق، والاستفادة من الموارد الخارجية، والابتكار المستدام، وتشجيع الحكومات المحلية على إصدار لوائح تنظيمية لقرى السياحة الحلال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة نموذجًا تطبيقيًا لكيفية بناء استراتيجيات قرى السياحة الحلال على أساس تصورات السائحين المقاسة كميًا والتحليل الاستراتيجي الشامل، وتفيد إدارات الوجهات السياحية في ترتيب أولويات التطوير بدءًا من المرافق الأقل رضًا لدى الزوار، كما تبرز قيمة رقمنة المعلومات في تحسين تجربة السائح ورفع كفاءة الترويج للوجهة، وتؤكد أن مشاركة المجتمع المحلي والحكومة ركن أساس في استدامة هذا النمط السياحي اقتصاديًا وبيئيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وأن إصدار أطر تنظيمية واضحة للقرى الحلال يمنح المستثمرين والمجتمعات ثقة أكبر في التوسع المنضبط لهذا القطاع الواعد
ويتسق هذا التوجه مع تحول أوسع في أدبيات السياحة المستدامة يؤكد أن الوجهات الصغيرة والمجتمعية قادرة على المنافسة حين تبني عروضها على الأصالة الثقافية والتجربة المحلية بدل تقليد الوجهات الكبرى، وأن الرقمنة لم تعد ترفًا تسويقيًا بل بنية أساسية لإدارة الوجهة وعلاقتها بزوارها، من الحجز والاستعلام إلى تقييم التجربة بعد انتهائها، كما يبرز في هذا السياق دور البحث العلمي التطبيقي في تزويد المجتمعات المحلية بأدوات قياس وتخطيط كانت حكرًا على المؤسسات الكبيرة، بحيث تصبح قرارات التطوير السياحي قرارات مبنية على دليل ميداني موثق لا على انطباعات متفرقة، وهو ما يمنح هذا النمط من الدراسات قيمة عملية تتجاوز حدود الحالة المدروسة إلى قرى ووجهات مشابهة تبحث عن مسار تنموي متوازن يحفظ هويتها ويحقق دخلًا مستدامًا لأهلها
وخلاصة القول إن تنمية السياحة الحلال المجتمعية على نحو مستدام تتطلب قراءة دقيقة لتصورات السائحين ولموازين القوى الداخلية والفرص الخارجية معًا، وقد بينت الدراسة أن القرية المدروسة تتمتع بمقومات جذب ووصول وخدمات مساندة مقبولة لدى زوارها، وأن طريقها إلى النمو يمر عبر تطوير المرافق وتوظيف التقنية الرقمية وتعزيز الشراكة المجتمعية والحكومية ضمن إطار تنظيمي واضح يوازن بين الأصالة والحداثة








