يمثل تحقيق غايات ومؤشرات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، المعني بضمان تعليم جيد شامل ومنصف للجميع وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للناس في كل الأعمار، تحديًا عالميًا كبيرًا، وتتضاعف صعوبته في بلدان كصربيا حيث تتشكل النواتج التعليمية بسياقات اجتماعية واقتصادية متنوعة وبكيفية تخطيط السياسات، ويضم الهدف عشر غايات محددة يتطلب رصد التقدم نحوها بيانات دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس والمتابعة
ولا يقف التحدي عند حدود توفر البيانات، بل يمتد إلى جودة ما يجمع منها ودلالته وقابليته للمقارنة عبر البلدان والأزمنة، فحين تغيب مؤشرات غايات كاملة عن التقارير الرسمية يصبح الحكم على التقدم الفعلي نحو التعليم الجيد حكمًا ناقصًا مهما حسنت النوايا، ومن هنا تنبع أهمية دراسة معمقة لتجربة بلد بعينه تكشف مواضع العجز القياسي وسبل معالجتها
وتزداد المسألة إلحاحًا لأن السنوات المتبقية حتى الموعد النهائي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة تضيق باستمرار، وكل غاية تبقى خارج القياس حتى ذلك الموعد ستنقضي دون حكم موثق على مدى تحقيقها، ومن هنا يتحول العجز القياسي من مشكلة فنية في دوائر الإحصاء إلى مشكلة سياسات عامة، إذ تتعذر المساءلة المجتمعية والبرلمانية عن وعود تعليمية لا توجد أدوات معتبرة للتحقق من الوفاء بها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
ركزت الدراسة على التعقيدات والتحديات المرتبطة بقياس خمس من غايات الهدف الرابع لم تُحلل في التقرير الرسمي لصربيا عن أهداف التنمية المستدامة، وفحصت بمنهجية منظمة السياسات الوطنية والبيانات التعليمية وأطر التقويم لتحديد العوائق المستمرة التي تعرقل التقدم نحو أهداف الهدف الرابع، وأجرت تحليلًا مقارنًا لأداء صربيا مع بلدان مجاورة في الإقليم ومع دول أكثر تقدمًا لفهم موقعها النسبي ومواضع تفوقها وتأخرها
ثانيًا: أبرز النتائج
1- كشفت الدراسة عوائق مستمرة تعرقل تقدم صربيا نحو غايات الهدف الرابع، تتصل بتباين السياقات الاجتماعية والاقتصادية وبكيفية تخطيط السياسات التعليمية وتنفيذها ومتابعتها عبر المستويات المختلفة
2- تعقّد القيود المنهجية في جمع البيانات ورصدها جهود التقويم الدقيق لمؤشرات الهدف الرابع، فتبقى صورة التقدم الفعلي غير مكتملة ويصعب بناء سياسات قائمة على أدلة راسخة
3- قدمت الدراسة أمثلة محددة على مؤشرات غير قابلة للقياس في الوقت الراهن توضح عمق المشكلة، إذ يستحيل الحكم على تحقيق غاية لا تتوفر بيانات موثوقة لقياسها مهما بلغت الجهود المبذولة فيها
4- استكشفت الدراسة استراتيجيات محتملة لتحسين دقة القياس وفعالية السياسات، وسبل بدء قياس الغايات التي تفتقر حاليًا إلى البيانات، رغم اقتراب الموعد النهائي لتحقيق الأهداف وما يفرضه من ضغط زمني
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد تجربة صربيا بلدانًا كثيرة تواجه فجوات مماثلة بين طموحات أهداف التنمية المستدامة وقدرات أنظمتها الإحصائية والتعليمية، فبناء مؤشرات قابلة للقياس وتطوير جمع البيانات التعليمية ورصدها شرطان لسياسات قائمة على الأدلة ولمساءلة حقيقية عن التقدم، وتقدم الدراسة رؤى قيمة للباحثين وصانعي السياسات في تقويم التعليم والتنمية المستدامة عن كيفية الشروع في قياس غايات ظلت خارج التغطية الإحصائية
وعلى مستوى البحث التربوي المقارن، تقدم الدراسة منهجًا تحليليًا قابلًا للنقل إلى بلدان أخرى تجابه غايات غير مقاسة، إذ يمكن اعتماد طريقتها في فحص السياسات والأطر وتشخيص العوائق قبل اقتراح الحلول، كما تدعو النتائج إلى استثمار مبكر في البنية التحتية للبيانات التعليمية، وربط سجلات المدارس بأنظمة متابعة وطنية موحدة، وتدريب كوادر إحصائية قادرة على إنتاج مؤشرات تعليمية منتظمة وشفافة يعتمد عليها المخططون
وتؤكد الدراسة أخيرًا أن العدالة التعليمية التي ينشدها الهدف الرابع لا يمكن التحقق منها ببيانات مجتزأة، فالفئات الأقل ظهورًا في الإحصاءات غالبًا هي الأحوج إلى السياسات الفعالة، ومن ثم يصبح الاستثمار في قياس الشمول والإنصاف جزءًا أصيلًا من تحقيق الهدف ذاته لا ترفًا إحصائيًا مؤجلًا
وخلاصة القول إن قياس التعليم الجيد لا يقل أهمية عن تقديمه، فما لا يُقاس لا يمكن تحسينه ولا المساءلة عنه، وسد فجوات البيانات والمؤشرات خطوة أولى نحو غايات تعليمية قابلة للتحقق والمتابعة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/22/10006
DOI: 10.3390/su162210006
