يتسارع تراجع الأنهار الجليدية بفعل تغير المناخ في أنحاء العالم، غير أن هذه الظاهرة تظل مجردة في أذهان كثير من الناس، ولا سيما من ليست لهم صلة بالبيئات الجبلية ولا خبرة مباشرة بمناطق الجليد، فتضعف قدرتهم على إدراك حجم المشكلة وعلاقتها بحياتهم اليومية في المدن التي يعيشون فيها
وقد سعت تجربة علم الجليد الحضري، التي نُفذت خلال فعالية فووريسالونه الدولية الشهيرة للتصميم في مدينة ميلانو عام 2024، إلى جسر هذه الفجوة الإدراكية بمحاكاة عمليات ذوبان الجليد الحقيقية في ساحة حضرية مزدحمة، بحيث يرى الزوار بأعينهم كيف تتحول حرارة مدينة ربيعية إلى ماء ذائب من كتل جليدية ضخمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
عرضت التجربة ثلاث كتل جليدية كبيرة بظروف سطحية متباينة، إحداها نظيفة والأخرى متسخة والثالثة مغطاة بالركام، لدرجات حرارة حضرية ربيعية تحاكي الظروف الموجودة على أنهار الألب الجليدية خلال الصيف، ودُعم العرض بمؤشرات بصرية وألواح توضيحية وتجارب افتراضية غامرة وتفاعل مباشر مع الباحثين والطلاب المشاركين
واعتمدت التجربة في تقويمها على قياس كميات الماء الذائب من كل كتلة عبر أسبوع كامل، وعلى مقابلات غير رسمية مع المشاركين لرصد أي تحول في إدراكهم للعلاقة بين درجات حرارة المدن وذوبان الجليد، في سياق فعالية ثقافية وسياحية كبرى يرتادها جمهور متنوع من السياح والمصممين والمواطنين
ثانيًا: أبرز النتائج
النتيجة الأولى: أنتجت الكتل الجليدية الثلاث خلال أسبوع واحد ما مجموعه 748 لترًا من الماء الذائب، في مشهد مرئي مباشر لحجم الفقد الجليدي الذي يمكن أن تحدثه حرارة معتدلة نسبيًا
النتيجة الثانية: ذاب الجليد المتسخ بسرعة تصل إلى أربعة أمثال سرعة ذوبان الجليد المغطى بالركام، وهو ما يتسق مع تأثيرات الانعكاسية المعروفة علميًا، إذ يمتص السطح الداكن حرارة أكبر بينما يعزل الركام الجليد تحته جزئيًا
النتيجة الثالثة: أكدت النتائج التشابه الحراري بين ظروف الربيع في ميلانو، بدرجات حرارة بين 15 و20 درجة مئوية، وموسم الذوبان الصيفي على أنهار الألب الجليدية، فحرارة المدينة الربيعية تكافئ حرارة الجبل في ذروة الصيف
النتيجة الرابعة: أفاد أكثر من 60 في المئة من المشاركين بحدوث تحول في إدراكهم، إذ أدركوا لأول مرة أن درجات حرارة المدن يمكن أن تحاكي ظروف ذوبان الأنهار الجليدية، وذلك بحسب المقابلات غير الرسمية التي أجريت معهم
النتيجة الخامسة: وصلت التجربة، بفضل تضمينها في فعالية ثقافية وسياحية كبرى، إلى جمهور متنوع غير تقليدي شمل السياح والمصممين والمواطنين، وشجعت على التأمل في تبعات فقدان الأنهار الجليدية على المياه والبيئة والمجتمعات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذه التجربة في إبراز إمكانات نماذج الاتصال العلمي القائمة على التجهيزات التفاعلية في الفعاليات الثقافية الكبرى، إذ تختصر التجربة الحسية المباشرة مسافة طويلة تخفق الرسائل الإخبارية التقليدية في قطعها، وتحول قضية مناخية بعيدة مكانيًا إلى خبرة شخصية لا تُنسى بسهولة
كما تفتح التجربة الباب أمام تكرار نماذج مماثلة في مدن أخرى حول العالم، بتكييفها مع الخصائص المناخية والثقافية المحلية، وبما يعزز دور السياحة الثقافية والفعاليات الحضرية في التوعية بالتغير البيئي لا في الترفيه فحسب، ويدمج بين أهداف التصميم والعلوم والتواصل المجتمعي
وتستند فعالية هذا النوع من التوعية إلى أن التغير المناخي قضية يصعب استيعابها عبر الأرقام وحدها، فحين يرى الزائر بعينه كتلة جليدية تنكمش وتقطر ماء في ساحة يعرفها جيدًا، تتحول الإحصاءات المجردة عن ذوبان الجليد القطبي والجبلي إلى خبرة حسية مباشرة يصعب تجاهلها أو نسيانها بسهولة
كما يجسد اختلاف سرعات الذوبان بين الكتل الثلاث درسًا علميًا مبسطًا في فيزياء سطح الجليد، إذ يوضح كيف تؤثر الأوساخ والركام والألوان في امتصاص الحرارة وسرعة الذوبان، وهي عوامل تحدد مصير مساحات جليدية شاسعة في جبال الألب وغيرها من السلاسل الجليدية حول العالم
وخلاصة القول إن جلب الجليد إلى قلب المدينة كان رسالة مناخية بليغة بلا محاضرات، وقد أثبتت تجربة علم الجليد الحضري أن التوعية البيئية حين تُقدَّم في ثوب ثقافي جذاب تصل إلى جمهور أوسع وتترك أثرًا إدراكيًا أعمق
