يثور في الأوساط الاقتصادية والبحثية جدل متصاعد حول أثر استثمارات تقنيات الذكاء الاصطناعي في التوظيف ومستقبل الوظائف، إذ تتعدد التوقعات بين من يرى في هذه التقنيات تهديدًا مباشرًا للعمالة البشرية ومن يراها محركًا جديدًا للنمو وخلق الفرص، ويزيد من حدة هذا الجدل أن أغلب النقاشات الدائرة تركز على قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام التي يؤديها الإنسان، متجاهلة في الوقت نفسه الحوافز الاستراتيجية التي تدفع الشركات إلى التعاون مع عمالها لاستثمار هذه التقنيات في ابتكار منتجات وخدمات جديدة تحقق لها المنفعة الأكبر
ومن هذا المنطلق تأتي هذه الدراسة لتسد فجوة واضحة في الأدبيات، إذ تنقل مركز الاهتمام من سؤال الأتمتة وحده إلى سؤال أوسع يتعلق بالموقف الاستراتيجي للشركة من الذكاء الاصطناعي، أي درجة نضجها في تبنيه ومدى انحيازها نحو توظيفه في ابتكار المنتجات مقارنة بتوظيفه في خفض التكاليف عبر الأتمتة، وتبحث الدراسة في كيفية ارتباط هذين البعدين بنمو التوظيف داخل الشركات الكبرى حول العالم، مستندة إلى إطار نظري مستمد من نظرية الألعاب وإلى بيانات مسحية عالمية واسعة النطاق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار أثر انتشار الذكاء الاصطناعي في تغير التوظيف لدى الشركات، واعتمدت منهجية تجمع بين بناء نموذج نظري بصياغة نظرية الألعاب يصف شركة تستثمر الوجه المزدوج للذكاء الاصطناعي في الابتكار والأتمتة معًا لتحقيق ميزة مطلقة وتنافسية، وبين تقدير نموذج انحدار احتمالي من نوع بروبت يربط تغيرات التوظيف بانتشار الذكاء الاصطناعي، وطُبق النموذج على بيانات مسح عالمي شمل ثلاثة آلاف شركة كبيرة في عشر دول، وقاس المسح بُعدين رئيسين في موقف كل شركة، هما النضج النسبي لتبني الذكاء الاصطناعي، والانحياز النسبي نحو ابتكار المنتجات القائم على الذكاء الاصطناعي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة مجموعة من الخلاصات الجوهرية التي تعيد تشكيل فهم العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتوظيف، ويمكن عرض أبرزها في النقاط التالية
النتيجة الأولى: أن التوظيف التالي لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي ليس سلبيًا في ذاته، فلم يثبت أن انتشار هذه التقنيات يقود آليًا إلى تقليص الوظائف كما تفترض القراءات المتشائمة التي تحصر أثره في الأتمتة وحدها
النتيجة الثانية: أن مصير التوظيف يتوقف في نهاية المطاف على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي في قيادة الشركة إلى ابتكارات ناجحة، وعلى طبيعة المنافسة التي تحدد المكافأة التنافسية لهذا الابتكار والعائد الذي يدره على الشركة في سوقها
النتيجة الثالثة: أن كيفية اقتسام الأرباح بين العمال والشركة عنصر حاسم في المعادلة، فحين يشارك العمال في عوائد الابتكار تتعزز فرص التوسع في التوظيف بدل انكماشه، ويصبح العامل شريكًا في إنتاج القيمة لا مجرد تكلفة يُسعى إلى خفضها
النتيجة الرابعة: أن نمو توظيف الشركة يتحدد بموقفين استراتيجيين متلازمين أكدهما التقدير القياسي، هما درجة نضج الشركة النسبي في تبني الذكاء الاصطناعي، وانحيازها النسبي نحو ابتكار المنتجات المعتمد عليه، فكلما تقدمت الشركة في هذين البعدين تحسنت آفاق نمو عمالتها
النتيجة الخامسة: أن للشركة وللعمال معًا دورًا مزدوجًا في تشكيل كيفية تأثير التقنية في التوظيف، فالذكاء الاصطناعي يجمع بين إمكانات أتمتة المهام وإمكانات أوسع للتوسع والابتكار، والميزان بين هذين الوجهين تصنعه خيارات الإدارة وطبيعة علاقتها بقواها العاملة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة لصناع القرار في الشركات والجهات المعنية بسياسات سوق العمل، فهي تدعو إدارات الشركات إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروع ابتكار ونمو لا مجرد أداة لخفض التكاليف، وإلى بناء شراكات حقيقية مع العاملين تتضمن تطوير مهاراتهم وتقاسم عوائد التحول الرقمي معهم، كما تدعو الحكومات إلى تصميم سياسات تشجع الابتكار القائم على الذكاء الاصطناعي وتوازن بين مكاسب الكفاءة وحماية فرص العمل، وتفيد الباحثين بأن دراسة أثر التقنية في التوظيف لا تكتمل دون إدخال المتغيرات الاستراتيجية للشركة في نماذج التحليل
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم تصحيحًا مهمًا للنقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي والوظائف، إذ تبين أن التقنية لا تقتل نمو التوظيف بذاتها، بل يتقرر أثرها بمواقف الشركات الاستراتيجية وبمدى توجيهها نحو ابتكار منتجات وخدمات جديدة وتقاسم ثمارها مع العمال، وهو ما يجعل مستقبل العمل نتاج خيارات بشرية ومؤسسية بقدر ما هو نتاج تطور تقني
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2023.1239466/full
DOI: 10.3389/frai.2023.1239466
