حظي توظيف التعلم الآلي في التنبؤ بمؤشرات أسواق الأسهم باهتمام متزايد في مجال التقنية المالية خلال السنوات الأخيرة، غير أن طبيعة التقدير النقطي في نماذج التعلم الآلي التقليدية الخاضعة للإشراف تجعل احتمال بلوغ تنبؤات تامة الدقة شبه معدوم، وهو ما يحد بصورة ملموسة من قابلية تطبيق نماذج التنبؤ القائمة على التعلم الآلي في الواقع العملي للمستثمرين والمحللين، ويدفع نحو البحث عن صيغ تنبؤ أقدر على التعامل مع عدم اليقين الكامن في الأسواق المالية وتقلباتها الحادة
وفي هذا السياق تتناول الدراسة مؤشر التكنولوجيا الحيوية التايواني خلال فترة جائحة كوفيد-19 بوصفه حالة كاشفة، إذ تعرضت الأسواق في تلك الفترة لعوامل اضطراب كبيرة أثرت في سلوك المؤشرات القطاعية، ولاسيما مؤشرات قطاع التكنولوجيا الحيوية والرعاية الطبية التي وجدت نفسها في قلب الحدث الصحي العالمي، فأصبح اختبار كفاءة نماذج التنبؤ في هذه الظروف الاستثنائية معيارًا مهمًا للحكم على جدواها ومتانتها ومدى إمكان الاعتماد عليها في توجيه القرارات الاستثمارية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نماذج هجينة للتنبؤ تجمع بين التعلم الآلي ونظرية المجموعات الضبابية، فوظفت أربعة نماذج للتعلم الآلي هي الشبكة العصبية ذات الانتشار العكسي، ونموذج الذاكرة طويلة وقصيرة المدى، ونموذج الغابة العشوائية، ونموذج آلة التعلم المتطرفة، لبناء نماذج تنبؤ بمؤشر التكنولوجيا الحيوية التايواني خلال فترة الجائحة، ثم دمجت دالة العضوية الغاوسية المستمدة من النظرية الضبابية لتطوير أربعة نماذج هجينة قائمة على الفواصل الضبابية، وقارنت دقتها التنبؤية بالتحليل التجريبي مع نماذج التقدير النقطي التقليدية، واستندت البيانات التجريبية إلى السلاسل الزمنية المالية لمؤشر التكنولوجيا الحيوية والرعاية الطبية المدرج الذي تجمعه مجلة تايوان الاقتصادية خلال فترة تفشي الجائحة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج التجريبية عددًا من الخلاصات التي يمكن عرض أبرزها في النقاط الآتية
1- بينت النتائج أن التعلم الآلي يظل فعالًا في التنبؤ رغم تأثير الجائحة، إذ بلغت النماذج مستويات مقبولة من الدقة في توقع حركة المؤشر في ظروف شديدة الاضطراب
2- تصدر نموذج الذاكرة طويلة وقصيرة المدى النماذج جميعًا أداء، سواء في صورته التقليدية أو بعد تعزيزه بالفواصل الضبابية، وتلاه نموذجا آلة التعلم المتطرفة والغابة العشوائية، في حين حلت الشبكة العصبية ذات الانتشار العكسي في المرتبة الأخيرة
3- حقق النموذج الهجين القائم على الذاكرة طويلة وقصيرة المدى تنبؤًا فعالًا عند مستوى ثقة مقداره 68 في المئة، في حين قدم النموذجان الهجينان القائمان على آلة التعلم المتطرفة والغابة العشوائية نتائجهما الأفضل عند مستوى ثقة مقداره 95 في المئة، وسجل النموذج الهجين القائم على الشبكة العصبية أدنى دقة تنبؤية
4- خلصت الدراسة إلى أن نموذج الذاكرة طويلة وقصيرة المدى المعزز بالفواصل الضبابية يتفوق في التنبؤ بالسلاسل الزمنية، مما يرشحه للتطبيق في التنبؤ ببيانات السلاسل الزمنية في الأسواق المالية وتعزيز كفاءة التحليل الاستثماري لدى المستثمرين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية للعاملين في الأسواق المالية، إذ تتيح النماذج الهجينة القائمة على الفواصل الضبابية التعبير عن التنبؤ في صورة نطاقات مصحوبة بمستويات ثقة محددة بدل نقطة وحيدة قد توهم بدقة زائفة، وهو ما يساعد المستثمر على تقدير هامش المخاطرة المصاحب لكل توقع واتخاذ قراراته على بينة من حدود المعرفة المتاحة، كما تبرهن الدراسة على أن أدوات الذكاء الاصطناعي لا تفقد جدواها في أوقات الأزمات الكبرى متى أحسن اختيارها ومعايرتها، وهو درس يتجاوز سوقًا بعينها إلى مختلف الأسواق التي تواجه صدمات مفاجئة
ويتصل هذا الجهد بمسار أوسع في أدبيات التنبؤ المالي يسعى إلى تجاوز النماذج التقليدية التي تفترض علاقات خطية مستقرة، بينما تتسم الأسواق بعلاقات متبدلة وحساسية عالية للصدمات، ومن هنا تكتسب النماذج القادرة على تمثيل عدم الخطية وعدم اليقين معًا مكانتها، إذ تمنح المحلل صورة أصدق عن المخاطرة المصاحبة لأي توقع، وتتيح بناء سيناريوهات متعددة بدل الرهان على مسار وحيد قد لا يتحقق
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا على تفوق النماذج الهجينة الضبابية، وفي مقدمتها نموذج الذاكرة طويلة وقصيرة المدى، في التنبؤ بالسلاسل المالية زمن الأزمات، بما يفتح المجال لتطبيقات أوسع في التحليل الاستثماري وإدارة المخاطر
المصدر الأصلي: https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/frai.2023.1283741/full
DOI: 10.3389/frai.2023.1283741
