تواجه بحوث الاستدامة متعددة التخصصات مشكلة شائعة تتمثل في أن العلماء المدربين في تخصصات مختلفة كثيرًا ما لا يجدفون بقاربهم بكفاءة في الاتجاه نفسه، فكل فريق ينظر إلى المشكلة من نافذة تخصصه وحدها، فتتشتت الجهود وتتعطل الحلول المتكاملة التي تتطلبها قضايا الاستدامة المعقدة بطبيعتها
ويمكن أن تعين أدوات الاستدامة في تنفيذ عملية صهر الفريق هذه وتحويل مجموعة من الخبراء المتنوعين إلى فريق متعدد التخصصات متماسك، شريطة أن توفر الأداة أنشطة مشتركة وأسئلة نقاش منظمة تدفع كل عضو إلى تجاوز حدود تخصصه والنظر إلى المشكلة بكليتها، وهو ما تسعى إليه الأداة المعروضة في هذه الدراسة
وتتطلب قضايا الاستدامة الكبرى، كالأمن الغذائي والمائي وتغير المناخ وإدارة الأراضي، حلولًا لا يملكها تخصص واحد، فالماء والتربة والمناخ والمجتمع منظومات متداخلة تتفاعل فيها العمليات الفيزيائية والحيوية والاجتماعية والاقتصادية في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توضيح أداة ميكس، وهي تمرين متعدد الخطوات مدمج رسوميًا ومنظم للنقاش، يعمل على تحويل الخبراء من تخصصات متنوعة إلى فريق متعدد التخصصات، واعتمدت الأداة مقاربة حل الألغاز بصريًا مستندة إلى استعارة الرجال العميان والفيل، لأن هذه القصة تجسد قصور وجهات النظر المنعزلة وضرورة دمج منظورات متعددة، وتوفر خطوات الأداة الست لكل خطوة أهدافًا محددة وأنشطة جماعية وأسئلة نقاش ومخرجات تعلم، وتشجع أنشطتها التعلم التجريبي لحل مشكلات الفريق
وصممت الأداة لتستخدم في ورش عمل تأسيسية تجمع أعضاء الفريق الجديد قبل انطلاق المشروع البحثي، بحيث يبنى التكامل على خبرة جماعية مشتركة لا على تعليمات إدارية، ويخرج كل عضو بتصور أولي عن موقع تخصصه داخل الصورة الكلية وعن إسهامات زملائه
ثانيًا: أبرز النتائج
صممت المناقشات المنظمة الخاصة بكل خطوة لتحويل تركيز كل فرد من تخصصه وحده إلى الهدف متعدد التخصصات للفريق، ويوضح مثال إثبات المفهوم طبيعة هذا التحول على النحو الآتي
1- يقوم منطق الأداة على نقل كل خبير من الجزء الذي يمسكه من المشكلة، كخرطوم الفيل أو ذيله أو ساقه أو غيرها من أجزائه المنعزلة، إلى إدراك الفيل كله، أي المشكلة متعددة الأوجه بكاملها
2- يبين مثال إثبات المفهوم أن التركيز الضيق على العائد الاقتصادي وحده بوصفه خرطوم الفيل يحرف تمثيل مشكلة الاستدامة ذات الجوانب البيولوجية المتداخلة ويعطل الحلول الابتكارية
3- كما أن التركيز المنفرد على الحفاظ البيئي بوصفه ساقي الفيل، أو على القيم الإنسانية بوصفها ذيله، يقدم صورة ناقصة للمشكلة مهما بلغت دقته التخصصية
4- تعمل المناقشات المنظمة خطوة بخطوة على كشف قصور كل منظور منعزل أمام الفريق نفسه، فتتولد قناعة جماعية بضرورة التكامل بدلًا من فرضها من الخارج
5- تمنح أنشطة التعلم التجريبي وحل الألغاز بصريًا الفريق خبرة مشتركة مبكرة تبني لغة واحدة وأرضية مشتركة قبل الشروع في معالجة المشكلة البحثية الفعلية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه الأداة قادة فرق البحوث متعددة التخصصات ومؤسسات بحوث الاستدامة في تأسيس فرق جديدة أو إعادة توجيه فرق قائمة، إذ تقدم مسارًا عمليًا متدرجًا بأهداف وأنشطة ومخرجات محددة لكل خطوة، بدلًا من الاكتفاء بالدعوات العامة إلى التكامل، وتنبه إلى أن قصور التكامل مشكلة في بنية التفاعل الجماعي قبل أن يكون نقصًا في الكفاءات الفردية، وتصلح الأداة بصورة خاصة عند إطلاق مشروعات استدامة كبرى تتقاطع فيها العلوم الطبيعية والاجتماعية والهندسية، إذ يكون كلفة سوء التكامل المبكر عالية ويصعب تداركها بعد تبلور فرق العمل وخطط البحث
كما يمكن توظيف منطق الأداة في تقويم فرق قائمة تعثر تكاملها، إذ يعيد التمرين طرح سؤال الهدف المشترك ويكشف مناطق العمى التخصصي التي تراكمت مع سير العمل، وهو أرخص تدخلًا من إعادة هيكلة الفريق أو استبدال أعضائه
وخلاصة القول إن أداة ميكس بخطواتها الست ومناقشاتها المنظمة واستعارتها البصرية الموجهة تقدم وسيلة عملية لصهر خبراء التخصصات المنفردة في فريق متعدد التخصصات متكامل، فنقل كل عضو من جزء الفيل الذي يراه إلى الفيل كله شرط أول لأي حلول ابتكارية لقضايا الاستدامة المعقدة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2071-1050/16/23/10625
DOI: 10.3390/su162310625
