يشهد مجال التلعيب في التعليم عبر الإنترنت نموًا متسارعًا مع اتساع التعلم عن بعد وانتشار التقنيات الرقمية في المؤسسات التعليمية، حتى غدا رصد خريطة هذا الإنتاج العلمي واتجاهاته ضرورة للباحثين والممارسين على حد سواء، إذ يساعد التحليل الببليومتري وخرائط الشبكات على كشف المجلات المؤثرة والمقالات المحورية والموضوعات الصاعدة وشبكات التعاون الدولي، بما يوجه البحوث المقبلة نحو الفجوات الحقيقية ويختصر على الباحثين الجدد زمن الإحاطة بالمجال وتطوره عبر عقدين من الزمن
وتأتي هذه الدراسة لتطبق أساليب التحليل الببليومتري وتحليل الشبكات على أدبيات التلعيب في التعلم عن بعد عبر الإنترنت، مستعرضة حجم الإنتاج وتوزيعه الجغرافي وموضوعاته الكبرى ومقالاته الأكثر استشهادًا، لتقدم صورة مرجعية متكاملة عن مشهد البحث في تلعيب التدريب والتعليم الإلكتروني، ولتحدد في ضوئها اتجاهات بحثية واعدة يمكن أن يستثمرها الباحثون في دراسات لاحقة أكثر عمقًا وتخصصًا
وتعود بداية هذا الاهتمام البحثي المتصاعد إلى ما يوفره التلعيب من عناصر تحفيزية كالنقاط والشارات ولوحات الصدارة والتحديات المتدرجة، وهي عناصر أثبتت التجارب التعليمية قدرتها على رفع انخراط المتعلمين ودافعيتهم في البيئات الرقمية، لكن تراكم مئات الدراسات سنويًا جعل الإحاطة باتجاهات المجال مهمة صعبة بالقراءة التقليدية، فجاء التحليل الببليومتري ليمنح الباحثين رؤية شاملة كمية ومرئية لتطور الحقل وبنيته المعرفية وشبكاته العلمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على أساليب التحليل الببليومتري وتحليل الشبكات لرسم خريطة المشهد البحثي في التلعيب في التعلم عن بعد عبر الإنترنت، وحللت 2419 منشورًا صدرت بين عامي 2000 و2023 مأخوذة من قاعدة بيانات سكوبوس، فحددت المجلات الرائدة والمقالات المؤثرة والموضوعات الأكثر أهمية، وحللت شبكات التأليف المشترك بين الدول لقياس التعاون الدولي، وشبكات التكرار المشترك للكلمات المفتاحية لاستخراج عناقيد البحث الرئيسة، ثم حللت المقالات الأعلى استشهادًا لاستخلاص موضوعاتها الكبرى
ثانيًا: أبرز النتائج
1- أظهر تحليل التأليف المشترك ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الدول المنخرطة في بحوث التلعيب، بما يشير إلى تنامي التعاون الدولي، وتصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وإسبانيا وكندا قائمة الدول الأكثر إسهامًا
2- كشف تحليل التكرار المشترك للكلمات المفتاحية عن ستة عناقيد بحثية متميزة، تشمل تطبيق التلعيب في سياقات تعلم متنوعة، وتوظيفه في تعليم الطلاب لتعزيز التعلم الإلكتروني، وأدوات الذكاء الاصطناعي في التعلم عبر الإنترنت، والتقنيات التعليمية، وإستراتيجيات بناء بيئة تعلم لعوب، وفهم عمليات تعلم الأطفال
3- حدد تحليل المقالات الأكثر استشهادًا ثلاثة موضوعات بحثية كبرى، هي منصات التعلم القائمة على التلعيب، وقياس تقدير المستخدمين ورضاهم عن هذه المنصات، وبيئات التعلم الغامرة الافتراضية ثلاثية الأبعاد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتسهم هذه الدراسة في خدمة حقل التلعيب التعليمي بإطلاع الباحثين على أحدث اتجاهات البحث في تلعيب التعليم عبر الإنترنت وتحديد اتجاهات بحثية واعدة، فهي مرجع عملي لمن يخطط لدراسة جديدة في المجال، إذ تبين له أين تركز الجهد الدولي، وما الموضوعات التي نضجت وتلك التي ما تزال في طور التشكل، كما تفيد مصممي المنصات التعليمية ومطوري المناهج في ربط ممارساتهم التطبيقية بالأدلة البحثية المتراكمة واختيار المداخل الأقرب إلى احتياجات متعلميهم
ومن الدلالات اللافتة أيضًا أن حضور أدوات الذكاء الاصطناعي وبيئات التعلم الغامرة ضمن العناقيد والموضوعات الكبرى يعكس انتقال المجال من تلعيب سطحي يقتصر على النقاط والشارات إلى تصميمات تعلم أعمق تستثمر التكيف الذكي والمحاكاة ثلاثية الأبعاد، وهو انتقال يفتح أمام الباحثين العرب فرصًا للإسهام في موضوعات ما تزال قليلة التناول نسبيًا، كقياس أثر التلعيب في نواتج التعلم طويلة المدى وفاعليته لدى فئات المتعلمين المختلفة، ولا سيما في السياقات التعليمية العربية التي يتسع فيها التعلم عن بعد وتحتاج إلى خرائط بحثية ترشد أولوياتها
وخلاصة القول، ترسم هذه الدراسة خريطة شاملة لأدبيات التلعيب في التعلم عن بعد عبر الإنترنت استنادًا إلى 2419 منشورًا على مدى أكثر من عقدين، مبرزة تنامي التعاون الدولي وتنوع العناقيد البحثية واتساع التطبيقات، بما يجعلها نقطة انطلاق رصينة لفهم تطور المجال واستشراف مساراته البحثية المقبلة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2078-2489/15/2/81
DOI: 10.3390/info15020081
