تعتمد الأساليب الشائعة لتقويم رفاه الأفراد داخل فرق العمل في بيئات العمل على الاستبانات التي تُجمع يدويًا من المشاركين في فترات متباعدة، وهو ما يحد من إمكان جمع البيانات بصورة مستمرة في السياقات الواقعية، ويضعف القدرة على اتخاذ إجراءات استباقية لتحسين رضا أعضاء الفريق عن بيئة عملهم
وتقترح هذه الدراسة أسلوبًا بديلًا يقوم على اشتقاق الإشارات الاجتماعية المرتبطة برفاه الفرد داخل سياقات التعاون الجماعي بصورة آلية من البيانات الصوتية والمرئية الخام التي تُجمع أثناء العمل الجماعي، بحيث يصبح بالإمكان عكس صورة رفاه كل فرد إليه ذاته بصورة مستمرة تدعم وعيه بذاته، مع التركيز على الكيفية التي يُدرك بها أعضاء الفريق سلوك الكلام لدى زملائهم، لما لذلك من صلة بتحسين رفاههم ورضاهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تطوير أساليب حاسوبية وقياسات عملية تيسر عكس رفاه الأفراد إليهم ذاتهم، ولتحقيق ذلك جمعت سلسلة أدوات متكاملة تتيح الاستخراج متعدد الوسائط لسمات كلام قوية وقابلة للاعتماد في البيئات الميدانية التي يكثر فيها الضجيج، ثم طبقت هذه السلسلة في دراسة حالة ميدانية للتحقق من جدواها العملية
جُمعت في دراسة الحالة مقاطع مرئية لعشرين فريقًا ضمت ستة وخمسين مشاركًا تعاونوا على مدى أربعة أيام في إنجاز مشروع جماعي داخل بيئة تعليمية، واستخرجت منظومة التجزئة السمعية والبصرية للمتحدثين سمات الكلام الفردية من البيئة الصاخبة، في حين ملأ أعضاء الفرق يوميًا استبانة بيرما لقياس الرفاه، وهي استبانة تشمل المشاعر الإيجابية والاندماج والعلاقات والمعنى والإنجاز، بوصف درجاتها مؤشرًا للمتغير التابع في الدراسة
واستُخدمت سمات الكلام المستخرجة من المقاطع المرئية في التنبؤ بدرجات الرفاه والرضا التي أبلغ عنها الأفراد ذاتيًا، وذلك بالاعتماد على أساليب التعلم الآلي التي تتعامل مع البيانات متعددة الوسائط، وتستكشف أي سمات الكلام يعد متنبئًا بدرجات الرضا المبلغ عنها ذاتيًا لدى أعضاء الفرق
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة جملة من الشواهد التي تدعم جدوى الأسلوب المقترح، ويمكن إيجاز أبرزها فيما يأتي
1- نجاح سلسلة الأدوات المقترحة في استخراج سمات كلام فردية قوية وقابلة للاعتماد من بيئة ميدانية يغلب عليها الضجيج، رغم صعوبة الفصل بين الأصوات المتداخلة في سياقات العمل الجماعي الواقعية
2- إمكان التنبؤ بدرجات الرفاه الفردي التي تقيسها استبانة بيرما تنبؤًا آليًا اعتمادًا على سمات الكلام المستخرجة من المقاطع المرئية، باستخدام نماذج التعلم الآلي المعدة لهذا الغرض
3- ارتباط سمات محددة من سلوك الكلام، كما يدركها أعضاء الفريق، بدرجات الرضا التي يبلغ عنها الأفراد ذاتيًا، بما يجعل هذه السمات متنبئات مفيدة برفاه أعضاء الفريق في سياقات التعاون
4- دلالة النتائج مجتمعة على أن الأسلوب المقترح قادر على التنبؤ الآلي برفاه الأفراد داخل الفرق، بما يمهد لعمل جماعي أفضل وأعضاء فريق أكثر سعادة ورضا في بيئة العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات تطبيقية مهمة لبيئات العمل والتعليم التي تعتمد على فرق العمل، إذ تتيح القياس المستمر لرفاه الأعضاء دون إثقالهم باستبانات متكررة، وتمكن القادة والمشرفين من رصد التغيرات في رفاه فرقهم بصورة مبكرة، واتخاذ إجراءات استباقية لتحسين الرضا والمناخ العام للعمل
كما يوفر عكس صورة الرفاه إلى الفرد ذاته فرصة للتأمل الذاتي وتعديل سلوك التواصل داخل الفريق، بما يعزز جودة التفاعلات الاجتماعية بين الأعضاء، ويرفع إنتاجية العمل الجماعي ومستوى رضا المشاركين فيه على المدى الطويل
وتعزز هذه النتائج أهمية الاستمرار في تطوير الأدوات التحليلية المستخدمة في هذا الحقل بما يسمح برصد أدق للظواهر المدروسة وبناء فهم تراكمي يثري الأدبيات العلمية المتراكمة في المجال ويعمق تفسير العلاقات بين المتغيرات المختلفة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم إسهامًا منهجيًا يتمثل في سلسلة أدوات متكاملة تستخرج سمات الكلام من البيانات السمعية والبصرية في البيئات الواقعية الصاخبة، وتثبت أن هذه السمات قادرة على التنبؤ برفاه الأفراد داخل فرق العمل، بما يفتح أفقًا جديدًا للقياس المستمر للرفاه ودعم فرق عمل أكثر سعادة وكفاءة
المصدر الأصلي: https://www.mdpi.com/2078-2489/15/4/217
DOI: 10.3390/info15040217
